وهنا يكون الانفتاح السياسي شرطًا للمواطنة إذا أردنا أن تكون الدولة حديثة، وهو ما انتهى له واضعو دستور 1923 في مصر حين رفضوا أوصاف أقلية وأكثرية ومعها ما طرحه البعض عن"تمثيل الأقليات"مركزين على الانفتاح السياسي ومناخ الحرية، بعيدا عن منطق المحاصصة التقليدي الذي ما زال يصر عليه البعض.
فالحضور الطبيعي للهوية يكون بحضور الفعل وليس بحضور التاريخ، أما إذا كبت الفعل وقيد حضر التاريخ وقبلياته الإثنية والدينية ما قبل الحديثة حَكَما وموجها، وليس هناك مثل الاستبداد يجمد الطاقة الإبداعية والحضور الفاعل للجماعات والأفراد مما ينشط التصورات الجامدة للهوية والتوجهات المتطرفة في مسألة المرجعية.
ففي هذا المناخ لا تعاني الجماعات الدينية فقط الحضور المتضخم في الهوية، ولكن كذلك الاتجاهات الفكرية والسياسية والأفراد الذين لا ينتمون لدائرة الحاكمين وفق منطق السلطة وفلسفة الأمر.
فالهوية في أبعادها الثابتة ليست مشكلا؛ لأن عوامل الاندماج والاشتراك صارت كذلك ثابتا بفعل التراكم التاريخي، ولكن المشكل هو الفاعلية والحرية المجتمعية والسياسية التي تتيح للجميع التعبير عن كوامنه أو هويته إن صح التعبير.
**المشرف على البحوث في مركز"المسبار"بالإمارات العربية
1-هو تصور يرى أن أول عوامل تشكل أية أمة هو اللغة التي يتكلمها أفراد هذه الأمة، وهو يقدم عنصر اللغة على عنصر"العرق والإثنية"وفي المقام الأول عنصر الدين.
2-ابن حزم:"الفصل بين الملل والنحل"في قسم الكلام عن التوحيد وفي التشبيه، الجزء الأول، تحقيق محمد سيد كيلاني/ دار صادر بيروت 1404 هـ..
3-جميل صليبا، المعجم الفلسفي، مادة هوية، ط دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر والتوزيع سنة 1994 .
4-مثل هذا التطور المفاهيمي نجده في العديد من المفاهيم القديمة شأن مفهوم الأدب الذي يعني الثقافة الآن بعموم، ومفهوم الثقافة الذي لم يكن موجودا بمعناه في تراثنا حيث كان مرادفا للتأدب، أو مفهوم التسامح والتساهل.. هذه المفاهيم التي حملت مدلولات إضافية في تطور الفكر والتاريخ.
6-د رضوان السيد: مسألة الحضارة والعلاقة بين الحضارات لدى المثقفين العرب في الأزمنة الحديثة ضمن الصراع على الإسلام الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، دار الكتاب العربي بيروت سنة 2004، ص 125.
"يوم الأسرة العربية".. والبحث عن الهوية الغائبة
كوثر الخولي
جمال البح-رئيس منظمة الأسرة العربية
تحت شعار"الأسرة العربية حصن للقيم وحافظة للهوية والثقافة"عقد في القاهرة بمقر جامعة الدول العربية الأحد 30-1-2005 الاحتفال بيوم الأسرة العربية وبالذكرى العاشرة للسنة الدولية للأسرة، وذلك بحضور ممثلين عن الدول العربية بهدف التأكيد على أهمية دور الأسرة العربية في مواجهة الآثار السلبية للعولمة، وضرورة تفعيل دور المواطن العادي ومنظمات المجتمع المدني في الحفاظ على كيان الأسرة، وعدم اقتصار هذا الدور على النخبة فقط.
وعن السبب الذي من أجله عقد هذا الاحتفال أكد"جمال البح"رئيس منظمة الأسرة العربية على أن الأسرة العربية بحاجة إلى المزيد من الدعم والاهتمام والفهم العلمي لقضاياها ودورها ومكانتها في تماسك النسيج الاجتماعي، وفي تنشئة الأجيال وفي التنمية والإنتاج، وكذلك في تكريس وتعزيز القيم.. حيث واجهت الأسرة العربية في العقدين الأخيرين تحديات كثيرة أدت إلى بَهتان صورتها، وانحسار إسهامها في التنمية وشئون المجتمع، وأصبحت عاجزة عن قيامها بوظائفها المختلفة.
ويضيف: ومن أجل هذا تتعرض المنطقة العربية لأزمات ومشكلات وتحديات انعكست بظلالها على الإنسان والأسرة ونوعية الحياة؛ فمن أبرز معالم هذا الواقع في دول عربية عديدة ما تشهده هذه الدول من تراجع في عمليات التنمية وفي دور الدولة، وتقصير في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وتصاعد معدلات البطالة والتضخم، وتزايد أعداد الفقراء، واتساع الفجوة بينهم وبين الأغنياء، وارتفاع معدلات الطلاق، ومظاهر العنف والجريمة.
النهوض بالأسرة العربية
وأشار"البح"إلى مبادرة تطوير إستراتيجية الأسرة العربية التي تقدمت بها منظمة الأسرة العربية وجامعة الدول العربية بالتعاون مع منظمات إقليمية معنية بشئون الأسرة؛ كاللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الأسكوا) ؛ وذلك بهدف تطوير خطة تنفيذية مستندة إلى الإستراتيجيات الوطنية للأسرة العربية، تتضمن أنشطة ومشروعات وبرامج عملية يتم تنفيذها بمشاركة حقيقية بين الأطراف المهتمة بالنهوض بالأسرة العربية.
وأرجع الدكتور علي أحمد الطراح -عميد كلية العلوم الاجتماعية بدولة الكويت- أسباب افتقاد الأسرة العربية لأهم أدوارها ووظائفها في مواجهة التحولات الاجتماعية والاقتصادية إلى انهيار سلطة رب الأسرة ورقابته على أبنائه، وهو ما لم يرافقه نمو نمط ديمقراطي ومشاركة إيجابية من قبل أعضاء الأسرة.. كذلك الغياب الوظيفي لدور الأب، وتعاظم أدوار ووظائف الأم في الأسرة، وضعف العلاقات الاجتماعية وتصدعها، وسيادة القيم الفردية، وتنامي ظاهرة العنف داخل الأسرة.
ويضيف الطراح أن ازدياد معدلات العنف الأسري لا يمكن أن نفصله عن التأثيرات الشديدة التي تعرضت لها الأسرة العربية من جراء التحولات الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث إن ارتفاع معدلات البطالة سواء بين الرجال أو النساء وعلى وجه الخصوص بين الشباب يشكل أحد العوامل الهامة لظهور العنف؛ حيث تولد البطالة الشعور بالإحباط واليأس، وعدم المساواة في فرص العمل، وهذا ينعكس بدوره في سلوك العنف سواء داخل الأسرة أو خارجها.
تحدي التكنولوجيا
وعن أثر العولمة في تهديد قيم الأسرة العربية يؤكد الدكتور"أحمد عبد الرحمن حمودة"مستشار صندوق الزواج والتنمية الأسرية بدولة الإمارات العربية المتحدة أن التنشئة الأسرية من الوظائف الكبرى التي تقع على عاتق الأسرة.. ولكن مع دخول الإنترنت والفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام الحديثة إلى غرف وحياة الأطفال والشباب مباشرة، حاملة إليهم أشكالا وألوانا مختلفة باهرة ومتناقضة مع مقومات ومكونات التنشئة العربية والإسلامية التي تقدمها الأسرة ممثلة في الوالدين، وكذلك المجتمع بمؤسساته وهيئاته المعنية بقضايا التنشئة كالمدرسة والجامعة والمراكز الدينية والاجتماعية والثقافية.
لهذا أصبحت عملية التنشئة معقدة ومرتبكة ومزدوجة المرجعية؛ حيث إن معظم ما تقدمه الوسائل والقنوات والشبكات المعولمة من برامج ومعلومات تنمي قيم الاستهلاك وخلق احتياجات وهمية؛ وهو ما يؤدي إلى التصادم بين الأهل والأبناء، وكذلك إضعاف سلطة الوالدين على أبنائهم.
ويضيف حمودة: إن الفرد في تعريف العولمة ذات مستقلة، وبالتالي لا يشكل مجموع الأفراد مجتمعا واحدا له خصائصه وثقافته ومصيره الواحد، وإنما قد يكون تجمعا لا مجتمعا.. لهذا فإن هذا المفهوم الذي يكرس للفردية يكاد يلغي جميع الوحدات وأشكال التنظيم الاجتماعي القائمة على صلة القربى كالأسرة والعشيرة، ويجردها من دورها ونفوذها في التوجيه والحفاظ على الثقافة والهوية والتكافل الاجتماعي، وكذلك من وظائفها باستثناء وظيفتها البيولوجية، كما أنه يولد العديد من المشكلات الاجتماعية.
المسلمات في هولندا.. طموح يراعي الهوية