والحقيقة أن المتتبع لتاريخ الصراع بين المعسكرين يجزم أنه غير مرتبط بزمن معين ولا بمكان معين، وإنما هو سلسلة حلقات كانت لا تزال قائمة، بل إن معركة الحاضر لا تختلف في أكثر مفرداتها الجزئية عن معركة الأمس فضلا عن ثوابتها الفكرية والنفسية، فقائد الحملة الصليبية على الأمة الإسلامية يعلنها صليبية وبأسماء معارك الأمس؛"النسر النبيل"و"العدالة المطلقة".
وهكذا من قبله نكسون عندما رجع من أفغانستان عقد مؤتمرا صحفيا على التلفاز يسألونه عن المشاكل، المشكلة بعد الأخرى، وهو يقول:"This is easy"- هذه سهلة - قالوا: (ما هي المشكلة إذن؟) ، قال: (الإسلام، الإسلام هو المشكلة، لقد آن الأوان لأمريكا أن تتناسى خلافاتها مع روسيا لكي تقف أمام الزحف الإسلامي الذي بدأ يتحرك) ، قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} [ البقرة: 217]
كما أن هذا الصراع ليس مرتبطا بشخص معين، يستهدفه دون غيره، وإنما يتناول كل مسلم لا يريد أن يتبع ملتهم، لأنه كما قال جل وعلا: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ} [البقرة: 217] ، فكل من يسعه ضمير المخاطَب فهو مستهدف، ومن أغفلته لائحة المطلوبين للعدالة الدولية وقائمة الأسماء التي تضم المنظمات الإرهابية فإن ملفات المحالون على ذمة التحقيق لمجرد الاشتباه قادرة على استيعابه، حتى إذا أفلتته هذه - جميعُها - فإن أخطاء الصواريخ الذكية كفيلة بتدارك الضعف الحاصل في عمل أجهزة المخابرات المحلية والدولية!
وقد قال قائد الحملة الصليبية بعد أحداث"ثلاثاء الفتح": (ليس هذا أوان ترف البحث عن أماكن المتورطين بالعمليات الإرهابية, المسؤولون عن هذه العمليات هم كل من ارتسمت على وجهه ابتسامة عندما سمع بالهجمات على نيويورك و واشنطن) .
فالمستهدف إذن كل مؤمن، لأن الله قد أخبر في حال هلاك الأعداء بأيدي الأعداء {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم: 5] ، فما بالك بـ {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] .
نعم عداوة هؤلاء الأعداء على مراتب، فبعضهم أشد عداوة من بعض، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] ، فعداوة اليهود والمشركين أشد من عداوة النصارى، لكن العداوة هي العداوة، وهي موجودة فيهم جميعا، فإن التاريخ قد حفظ للنصارى الصليبيين من العداء والاعتداء ما يعرف بالحملات الصليبية المشهورة التي استمرت قرنين من الزمان، وحروب الإبادة الجماعية في الأندلس، وحملات الاستعمار والتنصير على العالم الإسلامي كله، وباختصار فإنه باستثناء حالات محدودة - وأكثرها مواقف فردية - ظل النصارى أعداء، وظلوا جنبا إلى جنب مع اليهود عندما يكون المستهدف هو الإسلام، قال تعالى: {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض} [المائدة: 51] ، فالعداوة هي العداوة، والصراع دائما قائم لا محالة.
طبعا مجالات هذا الصراع ليست محصورة في القتال وحده، فساحة الصراع أعم من ميدان المعركة العسكرية، ولكنّ المنهج الصحيح لإدارة الصراع هو المنهج الذي يستحضر القتال كأداة لابد منها لتحقيق المقصود، والحقيقة أنه كلما تقدم المسلم في إقامة الدين اقتربت لحظات المعركة مع أولياء الشيطان، خصوصا أئمة الكفر فيهم، {إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} [الممتحنة: 2] .
ولا يكون تحاشي الكفر للصدام المسلح إلاّ مناورة تكتيكية تدفع إليها معطيات ذاتية أو موضوعية تفرض عليه الانتظار، أو لأنه استشف من واقع المسلمين رعونة في التدين جعلته يطمع في تحقيق الهدف بأقل الخسائر، وإلاّ فقد قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} [البقرة: 217] .
(والمقصود الإخبار بدوام عداوة الكفار... تحذيرا للمؤمنين منهم، وإيقاظا لهم إلى عدم المبالاة بموافقتهم في بعض الأمور) [روح المعاني: 2/110] .
ومن شأن الاستحضار الدائم لهذه السنة القدرية؛ أن يعطي للصراع بُعدا عمليا يتجسد في مفردات الحركة اليومية، فيوجِد حالة من اليقظة الإيمانية التي تمكّن من القراءة الصحيحة لواقع الأحداث، وتوجب أخذ الحذر مهما بدت الأجواء هادئة.
ومن شأن الرعاية التامة للشكل القتالي؛ أن يفرض الارتفاع بالصراع عن الشعور السطحي الذي لا يتحرك إلاّ في دائرة المعرفة الذهنية، وأن يستدعي كذلك الرفض التام لحالة الاسترخاء التي خيمت على الكثير من أبناء الأمة المسلمة هذه الأيام.
وتبقى الآية تحمل في طياتها مطلبا شرعيا يعد بمثابة التجاوب الإيجابي مع هذه السنة القدرية، وهو مقاتلة العدو والاستعلاء عن الاستسلام له أو الرضوخ لإرادته، قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم} ، فإن المقاتلة لا تكون إلاّ بوجود القتال من الطرفين، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} [التوبة: 111] ، فالصراع دائم، والحرب قائمة، والجهاد ماض، ولا محيد عن المقاتلة، ولن ينطفئ أوَار المعارك مادام هناك حق قائم، {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] .
فاختر لنفسك من أي المعسكرين أنت، فليس بعد الحق إلاّ الضلال
العراق ما بين سوء الاحتلال وأذنابه وسوأة"الحزب الإسلامي العراقي"
[الكاتب: محمد بسام يوسف]
في المشهد العراقي، لا يحتاج المرء إلى مزيدٍ من الحصافة، ليحكم على أنّ البلاد محتلَّة تخضع لأضخم مؤامرةٍ وأقذر عملية محوٍ منظمةٍ شرسةٍ لمعالم الإسلام والعروبة، عبر سلسلةٍ من الإجراءات التآمرية، تنفيذًا لمخططٍ صهيونيٍ غربيٍ صليبيٍ خبيث، لإحياء أمجاد السيطرة والتسلّط الغربيّ الصليبيّ على أوطان العرب والمسلمين، التي انتهت خلال النصف الأول وأوائل النصف الثاني من القرن الماضي.
كل عراقيٍ شريفٍ يملك بعضًا من الحس الوطني أو الإسلامي، يمكنه أن يعيَ بأن أميركة لم تأتِ إلى العراق بِقَضِّها وقَضيضها لسواد عيون العراقيين، ولا لتحقيقِ أي هدفٍ سوى الأهداف المرتبطة بمصالح الصهاينة وأصحاب الحملة الصليبية السافرة على العالم الإسلامي.
وقد احتلّت أميركة العراق ساعيةً إلى أهدافها الخبيثة عبر سلسلةٍ من الخطوات...
بدأت بمجلس"بريمر"، ثم بحكومة علاوي سيئة الصيت، ثم بمهزلة الانتخابات وتنصيب حكومةٍ غارقةٍ في العمالة والخيانة، ليس لأميركة وحدها، بل لبلاد فارس المجوسية... هي حكومة الجعفري العميلة... ثم أخيرًا بصياغة ما يسمى بدستور العراق الجديد، الذي يكرّس الاحتلال، ويبذر بذور العنصرية والتجزئة والنعرات الطائفية والحرب الأهلية.
الاحتلال هو الاحتلال، لا يمكن أن يكون غير ذلك، والمحتل هو المحتل والعدو، الذي لا يمكن أن يعمل إلا وفق أجندته في التسلّط والسيطرة والنهب والإذلال والتخريب والتجزئة والتآمر وغير ذلك... وقد سعت أميركة - وما تزال - إلى توطيد دعائم احتلالها، عبر سلسلة الإجراءات المذكورة آنفًا.