وحتى لا تخضع عملية التحديد هذه لتأثيرات الضعف البشري الذي يتجسد على المستوى الفكري في الاعتماد على الظن، وعلى المستوى النفسي في الانطلاق من الهوى، {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} [النجم: 23] ، حتى لا يقع هذا، يجب أن يكون المستند الثابت والأصلي لتحديد طبيعة هذه العلاقة هو الوحي، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] ، فهو من جهةٍ أحكامٌ شرعية من شأن الاستجابة لها أن تحقق العصمة من الضلال، ومن جهة أخرى رسالة تحمل في طياتها محددات الفهم الصحيح للقدر، وباعتبار كونهما معا من عند الله، {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [لأعراف: 54] ، تجتمع للناظر من خلالهما مقومات التوازن المطلوب للحكم على الأشياء.
ولا شك أن الاستحضار الجدي للافتراق الحاصل بين الناس - كسنة قدرية - إلى مسلم وكافر يسهّل إدراك طبيعة هذه العلاقة، فإن الافتراق بين المعسكرين قائم على أساس الاختلاف في المعبود {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يّس: 60] ، ومن الطبيعي أن يتولد عن هذا النوع من الافتراق عداء عميق من شأنه أن يؤسس لطبيعة معينة من العلاقة، قال تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء: 101] .
قال الطبري: (بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله وترككم عبادة ما يعبدون) [5/243] .
فهذا العداء ليس حالة عرضية خاضعة لاعتبارات شخصية، أو مواقف مؤقتة لا يتحكم فيها إلاّّ ميزان المصلحة والمفسدة الدنيوية التي تستدعيها طبيعة التفاعل البشري في معترك الحياة، وإنما هي هيئة راسخة في نفوس الكافرين اتجاه المسلمين، قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217] .
قال أبو السعود: (بيان لاستحكام عداوتهم) [التفسير] .
وهي - وقبل أي شيء آخر - نتيجة حتمية للاختلاف في المعبود.
ثم إن الوجود الفعلي للشيطان كطرف ثالث في هذه العلاقة يساهم في صياغة طبيعتها، ولذلك يصبح من الضروري استحضاره عند إرادة تحديدها، فهو من جهة عدو للمسلمين {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208] ، ومن جهة ثانية هو للكافرين - دائما - ولي حميم، {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} [الأنعام: 121] ، ولابد من ملاحظة التأثير الواضح على أوليائه، {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83] ، وهذه المعطيات كلها تفرض أن النتيجة الحتمية هي استحكام العداء بين معسكري الإسلام والكفر، واستمرارية هذا العداء مادام هناك شيطان يوحي إلى أوليائه.
وبما أن هذه العداوة المستحكِمة هي المحرك الأساسي لعجلة الصراع، فمن الطبيعي جدًا أن تترجم إلى أعمال تجسد في النهاية حقيقته.
قال أبو السعود عند قوله تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} ؛ (فإن كمال عداوتهم للمؤمنين من موجبات التعرض لهم بسوء) [التفسير: 2/226] .
ولابد لهذا الصراع أن يظهر في مفردات تعبر عن وجوده، فيقع الجدال بين الفريقين، {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] ، ويقع الخصام؛ {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] ، ويقع القتال؛ {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم} [البقرة: 217] ، يقع كل هذا ويستمر مادام هناك حق قائم وباطل موجود، وتلك سنة الله القدرية، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62] ، ولله الحكمة البالغة؛ {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] .
ولكي تكتمل صورة الأسباب الحقيقية للصراع الموجود بين الطرفين لابد من استحضار طبيعة العلاقة بين الحق والباطل، فالحق لابد أن يتحرك لإثبات ذاته، فهو الذي يعلو، ولا يكون ذلك إلاّ بزوال الباطل، فهما شيئان متناقضان لا يوجد أحدهما إلاّ بانتفاء الآخر، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِل} [الإسراء: 81] ، فمجيء الحق إزهاق لروح الباطل واجتثات لأركان وجوده، ولن يكون إلاّ بتوجيه القذائف المركزة التي تستهدفه في الصميم، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] ، وتلك - ولا شك - ليست أجواء للصراع فحسب، وإنما هي أجواؤه حين يكون على أشده، وهي بالذات طبيعة العلاقة بين المؤمنين والكافرين، {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 3] .
بل لو أراد الحق أن يملك - فقط - حقه في الوجود، دون السعي إلى اجتثات الباطل والهجوم عليه في عقر داره لما تُرك وشأنه، فإن الباطل يحرجه أن يكون الحق بجانبه، لأن أمره حينئذ سينكشف، وسحره سيبطل، فهذا نبي الله شعيب عليه السلام يقول لقومه: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} [الأعراف: 87] ، يا قوم، أنتم وشأنَكم، ونحن وشأننا، اتركونا وحالنا، ونحن نترككم وحالكم حتى يقع أمر قدري يفصل بيننا، فهل تركوه؟ لقد قال الملأ: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] ، فهي القاعدة المطردة، لابد لوجود الإيمان أن يحرك العداوة في الكافرين، لا مناص، ولا خيار، ولابد للصراع أن يكون، ولن يهدأ من جهتهم إلاّ حين يرجع المؤمن عن ملته، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} [البقرة] .
إن الصراع هو الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين الجماعة المسلمة وأولياء الشيطان، بل هو الوضع الطبيعي لهذه العلاقة، وأي محاولة لتحريف هذه الطبيعة، وتمييع هذه العلاقة ستحدث الفساد ولاشك، قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْض} [البقرة: 251] ، وما أهلك الأمة الإسلامية إلاّ هذه المحاولات المشبوهة التي تتحرك - من موقع الانهزام النفسي أمام انتفاخ الباطل - للتشويش على الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين الكفار وأهل الإسلام، فبنظرة سطحية واستعارة واضحة لأدوات التحليل الجاهلي تُقدم العدو في ثوب الصديق الذي لا مشكلة معه إلاّ سوء الفهم أو ضعف التواصل، ولولا ذلك لكان لنا محبا، بل وعنا مدافعا.
وهي دعوة عطلت - ولاشك - الكثير من طاقات الأمة وجعلتها تتحرك في دائرة المشروع الجاهلي، بل وأصبحت أداة من أدواته وجزءا من بنيته، فتخلى البعض عن المبادئ في سبيل الوآم المدني، وتميعت القضية العقدية باسم الوحدة الوطنية، بل لقد رضي آخرون بالاصطفاف وراء قائد الحملة الصليبية لكي لا يقال إنهم جماعات إرهابية، قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون} [القلم: 9] .