كان الصليب الأحمر يدافع عن المحققين الذين اعتدوا على مشعل ويلفق الأكاذيب ضده، وكانوا يؤكدون أن لنا بأن مشعل قد حاول الانتحار، فلما رؤوا إصرارنا على الدفاع عن مشعل واتهامنا لهم بأنهم كذابون وأنهم يعينون الأمريكان على تجاوزهم على حقوقنا المقررة دوليا، قام بعض موظفي الصليب الأحمر بالتشكيك في رواية الانتحار وأكدوا لنا بأنه قد تعرض للضرب.
كما أخبرنا هؤلاء بأن مشعل قد يتعرض للموت الدماغي بسبب إصابته البليغة في الرأس وبسبب تعرضه للضرب من الخلف على منطقة النخاع الشوكي، وقالوا بأنه قد أصيب بالشلل الكلي. ولما طلبنا منهم أن يرفعوا تقريرًا بذلك اعتذروا بأنهم ينفذون الأوامر التي تأتيهم من رؤساؤهم فقط وأنهم لا يمكنهم تجاوز مسئوليهم.
عراق البعث ... أم عراق الإسلام !!
في التاريخ المعاصر ، شهدت الأمة انحرافا عقديا وفكريا ظاهرا ، فقد صادف الانحطاط الذي أصيبت به الأمة الإسلامية في كل جوانب حياتها من فقدانها للمنظومة الجامعة التي تلم شعثها تحت حكومة واحدة ، إلى تأخرها عن ركب الحضارة والمدنية إلى انتشار البدع والانحرافات في أوصالها ، صادف هذا كله قوة في الحضارة الغازية المتجبرة المتكبرة ، المفتخرة بقيمها ومدنيتها وفكرها ، مما جعل كثيرا من أبناء الأمة الإسلامية يفتنون بهذه الحضارة القادمة ....
ولا شك ان المغلوب مولع بتقليد الغالب ، وهو الأمر الذي أشار إليه ابن خلدون رحمه الله في مقدمته الماتعة النافعة حيث أشار إلى نوع الاستلاب الذي يصيب الإنسان المنكسر المهزوم لمن غلبه وتفوق عليه ، وهذا ما يفسر لنا الكثير من شغف أهل الإسلام في هذا العصر بمشابهة الكفار في سلوكهم ، بينما تقرا في التاريخ البعيد ان الافرنجة كانوا يفتخرون لما ينطق الإنسان منهم كلمة عربية ، فيقولها ثم ينتفش فرحا بها !!
وكان من ابرز ما نكأ في الأمة وفتّ في عضدها هو نشوء التيارات الفكرية والقومية العلمانية في العالم الإسلامي ، حيث حكمت دول في العالم الإسلامي بحكم القوميين البعثيين الفاسدي العقائد والسلوك ، وأذاقوا المسلمين الويلات في تلك الدول التي كانت في يوم من الايام من حواضر العالم الإسلامي ، وخاصة دمشق وبغداد .
اما الأولى فقد حكمت من أناس يشكلون ظلمات بعضها فوق بعض ، فهم على قوميتهم واشتراكيتهم فهم مع ذلك نصيرية حاقدين على الملة والأمة ، حيث فتكوا بالمسلمين وأذاقوهم الويلات ، وما أحداث عام اثنين وثمانين الا شاهد على الحقد الدفين لأهل السنة والإسلام في بلاد الشام موئل الطائفة المنصورة ، ومدينة فضائل اخر الزمان .
ولا تسلني عن حماة وحمص وحلب ، وما جرى فيها من سفك الدماء وقتل الأبرياء ، وإهدار الكرامة والحرمات ،
فقد كنت في ذلك الزمن صغيرا ، ومع هذا فقد كان قلبي يتقطع حين اسمع خطبة الشيخ احمد القطان ، تلك الخطبة التي عرض فيها رسالة لاحدى الحرائر الشريفات القابعات في سجون الطاغوت في الشام ، وكيف انها تريد فتوى لتقتل نفسها حيث لا تطيق ابن السفاح من السجانين العتاة يتحرك بين أحشائها !
في ذلك الوقت اسمع صوت المنشد المترنم يصدح بصوته العذب ويقول:
روحي فداؤك طال البعد يا وطني ** دمي حماة ونوح الجسر اغنيتي
مالي اصطبار فراق الشام اتعبني ** ارجوك ارجوك هذا بعض امنيتي
سورية اليوم بركان سيول دم ** شام الرسول منار نار ملحمتي
فهو يقول هذا .. حيث الم الفراق والبعاد يقطع نياط قلوب المشردين من المؤمنين من الشام .. لا لشي الا انهم يقولوا ربنا الله !
وفي الشرق ، حيث العفلقيون يحكمون بلاد دجلة والفرات ، منارة الإسلام ، ومنبع العلم ، حيث درست معالم الديانة من تلك الأرض الحرة الأبية ، وعقول أبنائها العظام ، فاختفت في جنباتها أصوات المآذن ، واخذ الجيل ينشأ على محددات فكر حزب البعث القومي العربي ....ويترنم بـ
آمنت بالبعث ربا لا شريك له ** وبالعروبة دينا ماله ثاني
قال لي احدهم مرة: زرت العراق ، وكنت اتمشى في ميدانها الكبير في قلب بغداد ، فحانت الصلاة ، فسالت العشرات من الناس عن القبلة ، وخاصة ثكنات الجيش البعثي في الميدان الكبير ، فشرقوا بي وغربوا .. ولم يعرف القبلة منهم احد ، ويبدو انه لم يكن في الجوار مسجد !
يقول: فركبت سيارة احدهم وهو الذي قصدته في المدينة ، فلما صعدت السيارة فاذا شريط أغاني ملصق عليه صورة الفنان العراقي سعدون جابر ، فادخله في المسجل ، فاذا هو شريط للشيخ الداعية عائض القرني ، فقال لي: هذا الرجل كلما سمعته بكيت ، ووالله لا ادري من أي بلاد الله هو ، وكان صاحبنا هذا زميلا للشيخ عائض وفقه الله ، فاخبره بمكانه ، ودعوته في تلك الأيام الخوالي ، قبل أزمة الخليج الثانية ! ، فسر الرجل وسعد لما سمع أخبار الشيخ .
يقول صاحبنا .. فبدأ الرجل يتحدث عن النظام الاستحباراتي العاتي في نظام البعث العراقي ، والتوجس الشديد والرهبة الشنيعة التي خلقها النظام في قلوب الناس ، وخاصة ما يتعلق بالتجمعات التي تاخذ الطابع الديني .
قال صاحبي: فقلت له: الا يوجد لكم أي نشاط دعوي او علمي ، فقال: انا وصاحبي قد اتفقنا على ان يمرني في البيت ونخرج نمشي إلى السوق ، وفي اثناء الطريق اسمّع له سورة من القران او آيات منه في الذهاب وهو يفعل هذا في الإياب موهمين الناس باننا نتحدث حتى نفترق عند بيتي !!
هذه صورة بسيطة من وضع العراق ، والا فان المآسي كثيرة ، والتضييق على أهل الإسلام وقتل العلماء ، وانتهاك الكرامة ، والتضييق على الناس في أديانهم وأموالهم ومعاشهم يطول الحديث عنه !
كان العراق والدول العربية قبل أزمة الخليج يتمحورون في فكرهم وسياستهم حول القومية العربية ، ويجتمعون في مظلة الجامعة العربية التي هي في الأصل صنيعة الاستعمار لمهمهة الأمة عن إعادة دولة الخلافة التي فقدتها ، ولتمرير القرارات التي تراد من قوى الاستعمار الغربي من خلال هذه المنظمة !
وفي صبيحة ذلك اليوم دخل صدام الكويت ، وكان دخوله نقطة تحول في فكر العرب ، حيث سقطت القومية العربية ، وسقطت مبادئها ، فمن جهة فقد خان عراب القومية قوميته بانتهاك حرمة جيرانه ، ومن جهة اخرى تجمعت ( العربان ) لقتال عرابهم في معركة تحرير الكويت ، ومنذ ذلك الوقت والفكر القومي العربي يعيش أزمة في الهوية والوجود ، وأصيب كذلك بصدمة قوية في وجدانه وشعوره ، فارتد عن هذه القومية أقوام مؤممين وجوههم إلى الغرب الديمقراطي ، بعد إن فشلت قوميتهم ، وخابت مشروعاتهم !
بعد عام واحد وتسعين ، واندحار صدام حسين وجيشه إلى العراق وطرده من الكويت ، وضرب الحصار الآثم على شعب العراق المسلم ، اختلف الوضع في العراق ، حيث تغير نمط التعامل من قبل النظام العراقي مع الشعب ، وخفت حدة الدكتاتورية ، واتيت فرص كبيرة للتدين في الواقع ، وبدأ الناس يتوافدون إلى المساجد ، وبدأت حلقات العلم في المساجد ، مع توجس شديد وتضييق يختلف عن الوضع العام مما يسمى ( الوهابية ) أو ( السلفية ) في تلك الأرض ، فلم يتح للدعوة السلفية الفرص الكثيرة كما اتيح لغيرها ، مع رجوع عدد كبير من الرافضة إلى السنة وخاصة في جنوب العراق !