ـ كما جاء معه بمجموعة من الساقطين (فنانين ـ رسامين ـ راقصات!) وهذا الأسلوب يعد نمطًا جديدًا ظهر به الاستعمار إلى جانب القهر العسكري، لإعادة تشكيل الشخصية المسلمة؛ لأن هذه هي التي تنهي المقاومة من أساسها، ولكن نابليون خاب ظنه وأخفقت حملته.
ـ لكن الخط سار في انحدار بمجيء محمد علي، الذي أكمل الدور بإرسال البعثات إلى فرنسا وإيطاليا، ولكن يمكن اعتبار هذا الخط يمثل خطرًا على الهوية دون أن يحطمها.
ـ ومع دخول الإنجليز بدأ التغريب الحقيقي والعميق؛ حيث استفادوا من التجارب السابقة، ومن خبراتهم الواسعة، وبدأوا يعملون بتخطيط طويل المدى، وليس عملًا أرعن كما فعل الفرنسيون.
* د/مصطفى حلمي:
أود أن أورد إضافة قصيرة إلى هذا الكلام القيم، وهو أن حملة نابليون جمعت بين هدفين للحملة: استعمار الأرض الذي يمثله المدفع، واستعمار العقل أو بتعبير يناسب موضوعنا: تغييب الهوية أو تدميرها والذي قامت به المطبعة، لإزالة النخوة، ولتسهيل سياسة الأمة وفق ما يريد لها المستعمر.
* هل يمكن لنا أن نبرز بعض مظاهر هذه الأزمة التي من خلالها نتبين حجمها؟
* الشيخ/محمد بن إسماعيل:
إن نظرةً إلى الحيز الإعلامي الذي شغله موت (أميرة ويلز) في كل أرجاء العالم المنتسب إلى الهوية الإسلامية، وما صاحبه من الطقوس الكنسية التي اقتحمت معظم البيوت، وبين الحيز الذي شغله موت الشيخ محمود محمد شاكر ـ رحمه الله ـ في الفترة نفسها، تشرح لنا إلى أى مدى بلغت أزمة الهوية في عصرنا. ومع هذا فإن مظاهر الأزمة متكاثرة، ويمكنك أن تراها في:
ـ الشباب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه، وفي سيارته..
ـ وفي الشباب الذي يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم ومخبرهم..
ـ وفي المسلمين الذي يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية ـ بغير عذر ملجئ ـ ثم يفتخرون (بالفوز) بجنسية البلاد الكافرة..
ـ وفي المذيع المسلم أسير (الحظ الزائل) ، الذي يعمل بوقًا ينفخ فيه (العدو الصائل) ؛ من أعداء دينه وهويته، من أجل حفنة دولارات أو جنيهات!..
ـ وفي الجاسوس والعميل الذي يخون أمته، ويبيع وطنه، ويفشي أسراره..
ـ وفي أستاذ الجامعة الذي يسبّح بحمد الغرب صباح مساء..
ـ وفي مدعي الإسلام الذي يقبل الانتظام في جيوش الدول الكافرة المحاربة لأمة الإسلام..
ـ وفي كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته، فيرى بعيون الآخرين، ويسمع بآذانهم، ويسحق ذاته ليكون جزءًا من أولئك الآخرين، والعجيب أنه يعود مذمومًا مخذولًا من هؤلاء جميعًا، فيتحقق فيه قول القائل:
باء بالسّخطتين فلا عشيرته رضيت عنه ولا أرضى عنه العدا
* د/جمال عبد الهادي:
الأزمة بلغت إلى حد أن الأمة أصبحت تستورد قيمها من غيرها لتبني حضارتها، ولا شك أن هذه أعظم مخادعة للذات؛ لأنها تبني بيتها على جرف هار!
إن من يتصور أن في اتباع قيم الآخرين ومنهاج حياتهم الوجاء والوقاية من بطش أمم شاء الله لها العلو في الأرض زمنًا، والإفساد فيها إلى حين لَهُوَ واهمٌ؛ لأن صِدام الحضارات والأديان والثقافات أصبح حقيقة واقعة، ومعلوم من التاريخ والواقع بالضرورة، والله يقول: (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) ) [البقرة: 120] .
* إذن فإن في اتباع قيمهم إسقاطًا لمقاومة غزوهم لنا.
* د/مصطفى حلمي:
نعم.. لأننا إذا ما قارنا بين ماضي الأمة وحاضرها في مقاومة الغازي، فسيظهر أثر الهوية في أن الأمة عندما قامت تحت راية التوحيد، نجحت في الحفاظ على كيانها، ويوم أن رفعت شعارات أخرى لا تعبر عنها، ظهر الفشل والعمالة والتآمر.
ولنأخذ على سبيل المثال: مصر، فنجد أن الشعب في ثورة 1919م لم يرفع شعارًا غير الإسلام، لذلك كان الصراع متجسدًا في النفوس، على أنه صراع بين الحق والباطل، وكانت القيادة وقتها متمثلة في الأزهر الذي نجح في إجلاء الفرنسيين، ولكن بعد أن بدأت الولاءات القومية والوطنية تزاحم الهوية المسلمة، ظهرت الأزمة في مواجهة المستعمر.
وعلى وجه العموم فالناظر في تاريخ مصر، أو المغرب، أو الجزائر، أو الهند يرى كيف تدهور الحال على يد العسكر في ظل القوميات المختلفة، بعدما انسلخت الأمة من دينها تحت مظلة القومية، ومن هنا نجح المستعمر في زرع (إسرائيل) التي ترفع شعارها العقدي، وتحاربنا من منطلق دينها، بينما يُتهم من يستحضر البعد الديني في الصراع بالرجعية، ويُحجر على من يرفع راية الإسلام!
* الشيخ /محمد بن إسماعيل:
الأزمة بلغت إلى حد أن ـ يضغط علينا قتلة الأنبياء ومحرفو الكلم عن مواضعه، أن نفعل مثلهم، ونمارس هواية (التحريف) التي طالما تلطخوا بها، فقد كان من محاور اتفاقية (كامب ديفيد) : (ضرورة إزالة المفاهيم السلبية تجاه إسرائيل في الإسلام) .
في تاريخ 19/2/1980 عقدت ندوة في جامعة (تل أبيب) حول (دعم علاقة السلام بين مصر و(إسرائيل ) ) أثار اليهود فيها موضوع ما ورد في القرآن من اتهامات ضد اليهود، وتناقلت هذا مطبوعات أخرى بمصر، فقام د. مصطفى خليل ليطمئن اليهود بقوله: (إننا في مصر، نفرق بين الدين والقومية، ولا نقبل أن تكون قيادتنا السياسية مرتكزة على معتقداتنا الدينية) فرد عليه (ديفيد فيثال) قائلًا: (إنكم أيها المصريون أحرار في أن تفصلوا بين الدين والسياسة، ولكننا في إسرائيل نرفض أن نقول: إن اليهودية مجرد دين فقط) .
لذلك نجد مواقف اليهود كلها صادرة عن هويتهم أو قل عن دينهم، ومن أعظم الشواهد على ذلك؛ أنه عندما أراد العدو الصهيوني إقامة سفارة له في القاهرة، أصر على أن يكون موقعها على الجهة الغربية من النيل احترامًا لعقيدتهم في: أن حدود إسرائيل الكبرى تنتهي عند الجهة الشرقية منه. وهو ما يعبر عنه علم دولتهم الذي يحوي خطين أزرقين يرمزان للنيل والفرات، بينهما منطقة السيادة عليها نجمة داود.
الهوامش:
(1) ابن هشام: 1/518 ـ 519.
(2) ابن هشام: 1/518 ـ 519.
(3) مسلم: كتاب الإيمان (153) .
(4) مسلم: الحيض، حديث 302. والترمذي في تفسير القرآن (2977) .
(5) سنن أبي داود: كتاب اللباس، حديث 4031.
هويتنا الإسلامية:بين التحديات والانطلاق
(الحلقة الثانية)
إعداد وائل عبد الغني
تعتبر الهوية عنصرًا هامًا واستراتيجيًا بالنسبة لأمن الأمم والدول، في إدارتها لصراعاتها مع أعدائها، والمطلع على خطط الدول، سواء الأمنية أو التنموية ـ يلحظ أن قضية الهوية تحظى بعناية خاصة.
فإلى أي حدٍّ يستوعب المسلمون هذه القضية؟ وكيف ينظر أعداؤنا إلى هويتنا من خلال هذا المنظور بالذات؟
* الشيخ/محمد بن إسماعيل:
قضية الهوية قضية محورية أزعجت كل الناس إلا أصحابها، والمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين لمّا يقتنعوا بعدُ أن الأعداء من حولهم، على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم لا هدف لهم إلا استئصال شأفة الإسلام، وطمس الهوية الإسلامية، وصهرها في أتون الأممية وإزالتها من الوجود؛ لأنها لا غيرها تعتبر الخطر الماثل أمام القوى الراغبة في احتواء العالم الإسلامي، والسيطرة عليه سيطرة فعلية ودائمة، قال ـ تعالى ـ: (( ... وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا... ) ) [ البقرة: 217] .