فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 719

إن أيّ جماعة تفرّط في هويتها سيسهل ـ في عالم تحكمه شريعة الغاب ـ استقطابها والهيمنة عليها، وتذويب شخصيتها عن طريق تدمير البنية التحتية لهويتها العقائدية والثقافية التي تحفظ عليها سياج شخصيتها، فيتحول الإنسان إلى كائنٍ فارغٍ، مغسول المخ.

أما هذه الأمة فلا عزة لها بدون هويتها (( ... وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ... ) ) [ المنافقون: 8] ، وحين تمسكنا بهويتنا سدنا العالم، وخافت بأسنا الأمم، حتى كانت كنائس أوربا لا تجرؤ على دق نواقيسها، حينما كانت السفن الإسلامية تعبر البحر المتوسط، وحين تخلينا عنها نزع الله من قلوب عدونا المهابة منا، وقذف في قلوبنا الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت.

قال رسول الله: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) (1) .

ومما يؤسف له أن أعداءنا يدركون جيدًا أن (الهوية الإسلامية) أقوى وأخطر سلاح يجب نزعه من المسلمين، بإثارة النعرات القومية.

في عام 1967م ألقى (أبا إيبان) وزير خارجية الدولة اللقيطة محاضرة بجامعة (برنستون) الأمريكية قال فيها: (يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبه الإسلامي بعد الهزيمة! وفي ذلك الخطر الحقيقي على إسرائيل، ولذا كان من أول واجباتنا أن نُبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي) !.

هذا مع أن المجتمع اليهودي في فلسطين يتألف من مهاجرين من (102) دولة مختلفة، يتكلمون (70) لغة مختلفة من شتات الأرض، جمعتهم عقيدتهم الواحدة رغم اختلاف اللغات والألوان والقوميات والعناصر والأوطان وهذا (أدولف كريمر) اليهودي يعلنها: (جنسيتنا هي دين آبائنا، ونحن لا نعترف بأية قومية أو جنسية أخرى) .

وجاء في صحيفة (أحرونوت) اليهودية بتاريخ 18/3/78: (إن على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة هامةً هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا، في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا، ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش، لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا) !

وصدق رسول الله إذ يقول: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) وهذا ما يدركه أعداؤنا، ولذلك قال (أشعيا بومان) : (إن شيئًا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي من الإسلام، ولهذا الخوف أسباب، منها: أن الإسلام منذ ظهر في مكة لم يضعف عدديًا، بل إن أتباعه يزدادون باستمرار، ومن أعظم أسباب الخوف وأفظعها أن هذا الدين من أركانه الجهاد) .

وقد رصد الأستاذ يوسف العظم سببًا من أعظم أسباب هزيمة 1967م؛ فقال: (لقد سمعت وزير إعلام عربيًا، إبّان حرب حزيران يقول:(دعونا من خالد بن الوليد وصلاح الدين، ولا تثيروها حربًا دينية) قال ذلك، وهو يعلق على ما يذيعه بعض الدعاة، من حث الجند على الثبات وتشجيع للمقاتلين على الجهاد والاستشهاد، فقلت لمن كان حولي: (منهزمون ورب الكعبة!) .

للأسف أصبح عدونا يعي هذه الحقيقة أكثر منا.

* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

نعم، الأمر متجسد في حسهم، لدرجة أن (إسحاق نافون) رئيس كيانهم الأسبق، في خطابه بجامعة (بن جوريون) ، أمام السادات، في 27/5/1979م، قال: (إن تبادل الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن الترتيبات العسكرية والسياسية) ، وجلّى الأمر أكثر، أمام قيادات الحزب الوطني بمصر في 28/10/1980م حين قال: (إن أي صياغة أدبية أو دينية تخالف التصورات الإسرائيلية تعد مساسًا بالسلام الإسرائيلي) !.

نريد أن نرسم إطارًا نظريًا لحجم العداء الغربي للهوية الإسلامية، يعيننا على إدراك مكائده العملية.

* د/مصطفى حلمي:

قضية الهوية ظاهرة جدًا في تفكير ساستهم ومنظريهم، والكلام فيها كثير، وكثيرًا ما تعبر مواقفهم السياسية عن هذا المنطلق، لذلك هم يعتبرون أن أمامهم تحديات؛ لأنه ثبت لهم عبر مراكز بحوثهم ودراستهم وجامعاتهم ومستشرقيهم أن هذه الأمة عصية على الهزيمة إذا حافظت على شخصيتها الإسلامية، ومن ثَمّ فالطريق الوحيد للقضاء عليها؛ هو القضاء على تفرد شخصيتها؛ لذلك نجد أن الهدف الأساسي من النظام العالمي الجديد، وما يعرف بالعولمة وأمركة العالم، ومحاولة التمييع بين الأمم، نجده كله: القضاء على شخصية الأمة المتميزة من أجل تفتيتها والقضاء عليها.

ورغم أنهم يعتبرون أن الهوية اليابانية قد تخطت مرحلة تحدي الوجود، على حد قول (لاتوش) في كتابه (تغريب العالم) : (يشكل النجاح الأكيد لليابان الذي خلص آسيا من أسطورة الرجل الأبيض، تحديًا رهيبًا، لتفوق العرق الأبيض) ، رغم هذا التحدي نجدهم يغضّون الطرف عن اليابان؛ لأن أمامهم ما هو أخطر.. أمامهم الإسلام الذي يهددهم كعقيدة في منهجه وأصوله، وكنظام في فكرتي: الدعوة، والجهاد.

* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

من باب التمثيل على ما ذكر الدكتور مصطفى ـ جزاه الله خيرًا ـ أذكر قول (نيكسون) في كتابه: (انتهز الفرصة) : (إننا لا نخشى الضربة النووية، ولكننا نخشى الإسلام والحرب العقائدية التي قد تقضي على الهوية الذاتية للغرب) ! إذن المسألة بالنسبة إليهم مسألة حياة أو موت، لذلك يقول في الكتاب نفسه: (إن العالم الإسلامي يشكل واحدًا من أكبر التحديات لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية في القرن الحادي والعشرين) .

وقال (إيوجين روستو (رئيس قسم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس(جونسون) لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 1967: (إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي: فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي، بفلسفته، وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها) .

وبهذا يتضح لمن لديه أدنى بصيرة أن هدف القوم الأكبر؛ هو طمس هويتنا باستبدالها بأخرى أيًا كانت، سواء أكانت هوية تفتتنا كالهويات الوثنية أو القومية أو القطرية، أو كانت تميعنا وتذوبنا فيها كالعولمة؛ فالمهم عندهم محو الهوية الإسلامية المتميزة، ليحال بين الإسلام وبين الشعوب، في حاضرها ومستقبلها، ويصبح مثلنا كمثل الذي قيده عدوه، بعد أن جرده من سلاحه وانتزع أظفاره، وخلع أسنانه، ثم وضع الغل في عنقه، والقيد في معصمه، ومع هذا يطلب منه: شكر العدو على هذا الصنيع، والفخر بالغل، والتباهي بالقيد، والاعتزاز باستعباد ذلك السيد إيانا!

هذا التصور ليس وساوس أو تهيؤات، ولكنه حقيقة تشهد لها شواهد، منها قول (كلينتون) : (إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزامًا مقدسًا لتحويل العالم إلى صورتنا) .

قبل أن نتناول مظاهر الحرب على الهوية، نريد أن نعرف حكم الشرع في المساس بهذه الهوية.

* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت