فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 719

تشويه الهوية أو إضعافها عمل إجرامي تآمري يرقى ـ بل ينحط ـ إلى مستوى الخيانة العظمى لأمة التوحيد. قال الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الجامع الأزهر السابق ـ رحمه الله تعالى ـ: (إن البحث عن هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى، وجناية عظمى) ، ولقد لعن رسول الله لله من غيّر منار الأرض، فكيف بمن يغير هوية أمة، ويُضلها عن طريق النجاة؟!

في ضوء قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ) ) [ الأنعام: 55] .

نود أن نذكر -بشيء من التفصيل- مجالات وأساليب طمس الهوية الإسلامية.

* الشيخ/محمد بن إسماعيل:

أما عن الأساليب التي استعملت لطمس هويتنا فمنها:

إضعاف العقيدة، وزعزعة الإيمان: لأن العقيدة هي خط الدفاع الأول، ومن وسائل ذلك: زرع الصراعات الفكرية التي تشوش الأفكار، وتشتت الأذهان عن طريق بعث الفلسفات المضادة للتوحيد، وإحياء التصوف الفلسفي، ونشر تراث الفرق الضالة كالباطنية والمعتزلة والرافضة، وإثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية الشريفة، وهز الثقة في السلف الصالح، والتركيز على عرض ما يناقض التوحيد بصورة تغري بالإلحاد، كنظرية (داروين) ، وتاريخ الأمم الوثنية كالفراعنة وغيرهم، دون أي نقد، لا: (( لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ) ) [ الأنعام: 55] ، ولكن لننبهر ونفخر بسبيل المجرمين.

* د/مصطفى حلمي:

يضاف إلى ما ذكره الشيخ محمد في هذا الباب: إنشاء وتغذية المذاهب والمبادئ الهدامة، التي تطعن من الخلف، كالماسونية، والبهائية، والقاديانية، وأمثالهم، واشتغال المسلمين بها لتفتنهم عن دينهم.

* د/جمال عبد الهادي:

ومن هذه الأساليب: محاولة تجفيف المنابع: عبر وسائل التسلية والإعلام، وتشويه صورة الإسلام ورموزه، وتقليص المقررات الشرعية والتاريخ واللغة العربية، باعتبارها روافد تغذي الهوية، وعن طريق حصار المسجد وتكميم أفواه الدعاة، وإغلاق الكتاتيب ومدارس المعلمين التي تخرّج المحفظين.

* د/ مصطفى حلمي:

إضافة لما ذكره الدكتور جمال ـ حفظه الله ـ في هذه النقطة، فإن سياسة تجفيف المنابع المراد منها إلغاء أي سلطة شرعية على المجتمع، وبأي صورة، سواء كانت في الصور التي ذكرها الدكتور، أو في إلغاء المحاكم الشرعية، أو في السيطرة على أوقاف المسلمين، أو في إنشاء مؤسسات معلمنة لتنافس البقية الباقية للمؤسسات الشرعية، كإنشاء كليات الحقوق لتزاحم كليات الشريعة.

* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

في الحقيقة أن من أخطر أساليب طمس الهوية ومسخها (تسميم الآبار المعرفية) التي تستقي منها الأجيال، أعني تخريب مناهج التعليم بكافة مراحله، وهذا ما يسمونه بكل صراحة: (تجفيف منابع الإسلام) !! هذه المؤامرة لم تبدأ اليوم، ولكن منذ أكثر من قرن، ولم تبدأ من الصفر، ولكنها تُستمد من معين المنطلقات التي صنعها الاستعمار والاستشراق والتبشير، ويكفي أن القس (دنلوب) تمكن في عشرين سنة من تخريب العقول والنفوس والضمائر والعواطف من خلال سياسته التعليمية، بصورة ما كانت تحلم بريطانيا بتحقيق ربعها لو جندت في سبيل ذلك مليون جندي بريطاني.

وقد أنطق اللهُ (كرومَر) رائدَ التغريب في مصر بهذه الحقيقة، فقال: (إن الحقيقة أن الشباب المصري الذي قد دخل في طاحونة التعليم الغربي، ومر بعملية الطحن يفقد إسلاميته، وعلى الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها، إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية) .

* د/ جمال عبد الهادي:

من صور التجفيف التي آتت أكلها الخبيثة عزل المؤسسات الدينية عن أداء دورها أو التأثير في المجتمع وهو ما أفلح (دنلوب) في نيل نصيب منه، وتجري بقية فصول المؤامرة إلى اليوم، وهذه أعظم فرصة للاستعمار الثقافي ليقوم بدوره في الفكر والتشريع والحياة، والذي ينشأ عنه ضعف الوازع الديني رغم أنف كثير من الناس، بل إن كثيرًا منهم قد لبس الإسلام كما يلبس الثوب مقلوبًا.

ولهذا كانت الجولة الحالية لصالح الاستعمار، لما جُنّب الإسلام قصدًا عن المعركة، ولكن لم يكن بالدبابة والمدفع، ولا بالأسطول والطائرة، وإن كانت هذه الأسلحة قد وقفت تدعم سلاحًا أعمق جرحًا وأبلغ أثرًا؛ الأستاذ الذي أفسد التفكير، والعلم الذي زرع الشك، والكتاب الذي أمرض اليقين، والصحيفة التي نشرت الرذيلة، والقلم الذي يزين الفاحشة، والفن الذي يشجع على الفجور، والمهازل التي قتلت الجد والرجولة، والمسكرات التي تذهب بكل شيء، والشهوات التي تخرم المروءة، والكماليات التي تشغل الكواهل، والأعراف التي تناقض فطرة الله، والمعاني الكافرة التي تطرد المعاني المؤمنة من القلوب، هذا هو حصاد تجفيف المنابع المرير، ولله المشتكى!

* أ/جمال سلطان:

ومن أساليب طمس الهوية أيضًا: إفساد اللغة العربية واللعب في مجال الثقافة:

نشطت عملية الإفساد في اللغة العربية بصورة كبيرة مثلها مثل بقية الأبعاد منذ وقت مبكر.

فنجد دور (طه حسين) في ذلك؛ إذ نحا منحى أستاذه (مرجليوث) في التشكيك في مصادر اللغة والقرآن، وأكمل معه الدور أحمد لطفي السيد، الذي سعى سعيًا حثيثًا (لتمصير العربية) ، من أجل إزالة فكرة الولاء والبراء، مدعيًا أن المصالح وحدها هي التي تربط بين الشعوب، لذلك استنكر تعاطف المصريين مع إخوانهم في ليبيا منذ الاحتلال الإيطالي، واعترض على دستور عبد الناصر الذي نص على أن مصر جزء من الأمة العربية، فأطلق شعار: (مصر للمصريين) !.

ومن هنا يظهر أن تدمير اللغة لا يعني سوى تحريف العقيدة، وقد قام بدور مشابه لهذا، (الموارنة) في لبنان، الذين أقاموا جمعيات أدبية وشعرية كانت تغذيها قوى مشبوهة لتدمير اللغة والأدب، على اعتبار أنهم مجموعة (الرابطة القلمية) ذات العلاقات الماسونية، والتي ضمت جبران ومخائيل نعيمة، وتعجب من تلميعهم رغم أن كل أعمالهم كانت للكيد للغة العربية، لصلتها القوية بالإسلام، فيقدمونهم لنا كمجموعة أدبية متميزة، مع أن لهم أقوالًا في منتهى الخطورة؛ منها على سبيل المثال: (نحن لن ننتمي إلى الشعب العربي، ولا إلى الجنس العربي ـ نحن فينيقيون) .

ونعجب من إبراز مثل هؤلاء على حساب النماذج الإسلامية الأصيلة، فندرس في الهند عن (طاغور) الهندوسي، ولا نعرف شيئًا عن (إقبال) المسلم، رغم أنه إلى جانب كونه مسلمًا فإنه صاحب قضية، بل وصل اللعب في هذا المجال إلى حد من التسطيح والتحريف، لدرجة أنهم كانوا يدرسون لنا قصيدة لمطران بعنوان: (فتاة الجبل الأسود) ، وكان مطران يتغزل بفتاة صربية كافرة، ويتغنى ببسالتها في مقاومة (الغزو التركي العثماني) ـ حسب قولهم ـ أو (المسلمين) كما هو معلوم، ولأن الأمة قد مزقت وغيب وعيها، فلم يعد أحد يعرف ما الجبل الأسود أو البوسنة، أو أفغانستان أو غيرها؟

وأعود فأقول: إن هذا التدمير قد واكبه تدمير في جميع أبعاد الهوية، سواء في الشريعة أو الاجتماع أو الأخلاق أو السلوك، ولأن الهوية تكامل نفسي وفكري، فلذلك كان عليهم أن يلعبوا على كل الخيوط من أجل إفساد الهوية.

* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

أعظم دافع للتآمر على اللغة العربية هو شدة ارتباطها بالقرآن والإسلام، وأثرها في وحدة الأمة، وقد تم ذلك عبر محاور عدة منها: تشجيع اللهجات العامية، والمطالبة بكتابتها بالحروف اللاتينية، وتشجيع اللغات الأجنبية على حساب لغة القرآن الكريم، وتطعيم القواميس العربية بمفاهيم منحرفة كقاموس (المنجد) ، والطعن في كفاءة اللغة العربية وقدرتها على مواكبة التطور العلمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت