وإذا كانت (الثقافة) هي مجموع القيم التي ارتضتها الجماعة لنفسها، لتميزها عن غيرها من الجماعات، فإن اللغة هي وعاء الثقافة، ومظهرها الخارجي الذي يميزها.
إن لغتنا ليست لغة قومية، لكنها لغة دينية تجمع حولها المسلمين جميعًا عربًا وعجمًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) اهـ.
وقال المرتضي: (من أبغض اللسان العربي أدّاه بغضه إلى بغض القرآن وسنة الرسول لله، وذلك كفر صراح، وهو الشقاء الباقي، نسأل الله العفو) اهـ.
إن للغة دورًا خطيرًا في توحيد الأمة، وهاك أمثلة توضح ذلك:
الأول: (إيرلندا) التي رزحت تحت الاحتلال الإنكليزي منذ أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وذاقت منه الويلات، خصوصًا على يد (كرومويل) الذي أعمل السيف في رقاب الإيرلنديين، وشحن عشرين ألفًا من شبابهم وباعهم عبيدًا في (أمريكا) ، ونفى أربعين ألفًا خارج البلاد، وتمكن من طمس هويتهم بمحو لغتهم الإيرلندية، وتذويبهم في المجتمع البريطاني.
ولما حاول بعض الإيرلنديين الوطنيين بعث أمتهم من جديد أدركوا أن هذا لا يتم ما دامت لغتهم هي (الإنكليزية) ، وما دام شعبهم يجهل لغته التي تميز هويته، وتحقق وحدته.
وأسعفهم القدر بمعلّم يتقن لغة الآباء والأجداد؛ دفعه شعوره بواجبه إلى وضع الكتب التي تقرب اللغة الإيرلندية إلى مواطنيه، فهبوا يساعدونه في مهمته حتى انبعثت من رقادها، وشاعت، وصارت (النواة) التي تجمع حولها الشعب، فنال استقلاله، واستعاد هويته، وكافأ الشعب ذلك المعلم بانتخابه أول رئيس لجمهورية (إيرلندا) المستقلة ـ هو الرئيس (ديفاليرا) .
الثاني: (ألمانيا) التي كانت مقاطعات متفرقة متنابذة، إلى أن هبّ (هَرْدِر) الأديب الألماني الشهير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ينادي بأن (اللغة) هي الأساس الذي يوحّد الشعوب، والنواة التي تؤلف بينها، فانطلق الأدباء يعكفون على تراثهم القديم أيام كانوا أمة واحدة، وقاموا بإنعاش تراثهم الأدبي، ونسجوا حوله قصصًا وبطولات خلبت ألباب الشباب، وتغنوا بجمال بلادهم، وأمجاد أسلافهم، فتجمعت عواطفهم على حب الوطن الكبير، وتطلعت نفوسهم إلى الانضواء تحت لواء (هوية ألمانية) واحدة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام (بسمارك) لتعبئة الشعور القومي، وتوحيد ألمانيا، وإقامة (الإمبراطورية الألمانية) التي كان (بسمارك) أول رئيس وزارة (مستشار) لها.
الثالث: أعاد اليهود اللغة العبرية التي انقرضت من ألفي سنة وبعثوها من مرقدها، حتى صارت لغة العلم بالنسبة لهم، وألفوا بها أدبًا نالوا به ما يسمى جائزة نوبل، لقد وحدت هذه اللغة لسان الشتات المتفرق بين (70) لغة، وحولته إلى لسان واحد.
ومن هنا يتضح أن إهمال العربية أو تهميشها أو ترقيعها يصب في خط واحد، هو: هدم الهوية الإسلامية!
والعجب كل العجب من شماتة المستشرق الألماني (كاممفاير) إذ يقول: (إن تركيا منذ حين لم تعد بلدًا إسلاميًا) ـ لماذا؟ ـ (فالدين لا يدرس في مدارسها، وليس مسموحًا بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس، وإن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية، قد أصبحت الآن مستحيلة، بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية) .
* د/مصطفى حلمي:
* ومن أساليب طمس الهوية: تزييف التاريخ الإسلامي: والتشكيك في حوادثه، وإبراز النماذج المنحرفة، والحوادث المؤسفة، وتضخيمها؛ لتتشبع الأجيال الناشئة بكراهية الإسلام والنفور من تراثهم وتاريخهم.
ومن هذا الباب السخرية من رموز الإسلام من أجل إضعاف التأثر بهم.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
من محاولات تزييف التاريخ الإسلامي؛ محاولة تفسيره تفسيرًا قوميًا كما يفعل البعثيون الذين يريدون أن يبتلعوا الإسلام في بطن قوميتهم حين يزعمون أن الإسلام مرحلة في تاريخ العروبة.
أو تفسيره تفسيرًا ماديًا كما يفعل الماركسيون حيث يصورونه على أنه تاريخ صراع طبقي، أو صراع مصالح بين الأمراء والخلفاء والملوك.
والهدف من وراء كل ذلك واضح، وهو الحيلولة بين الأمة وبين اتخاذ تاريخها الحقيقي منطلقًا للنهوض من كبوتها.
أما المنهج الصحيح والواقعي فهو: فهم التاريخ البشري كله على أساس أنه تاريخ دين سماوي واحد؛ هو (الإسلام) ، من لدن آدم ـ عليه السلام ـ إلى محمد لله وحتى يرث الأرض ومن عليها.
ومن تزييف التاريخ أيضًا: طمس المعالم التاريخية، والحفريات التي تصحح تاريخ العقيدة، وتكشف أن التوحيد هو الأصل وأن الشرك طرأ عليه، وكذا الوثائق التي تثبت التحريف في كتب أهل الكتاب، والتي تدعم الإسلام وتؤيده.
ويجدر بنا الإشارة إلى مؤامرة تزييف تاريخ (الإبراهيمية الحنيفية) التي هي جذر الإسلام، وذلك عن طريق نشر فكرة (السامية) التي تركز على القول، بأن هناك أصلًا واحدًا مشتركًا بين العرب واليهود، هو (سام بن نوح) ، في حين أن القصد الحقيقي من ورائها هو التعمية على انتساب العرب إلى إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ وعزو تاريخ إسماعيل وذريته إلى مصدر غامض مجهول السند.
وذلك بقصد صرف الأنظار عن هويتنا الحقيقية التي هي ملة إبراهيم ـ عليه السلام ـ التي أولاها القرآن الكريم أعظم الاهتمام ونسبنا إليها، وحثّنا على اتباعها وبرّأ ـ إبراهيم عليه السلام ـ من كونه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا.
ومن أساليب طمس الهوية كذلك: الحرب النفسية المدعمة بالأساليب التعسفية: لقمع وإنهاك رموز الإسلام والدعاة إلى الهوية الإسلامية، وتنحيتهم عن مواقع التأثير الإعلامي والتربوي، وتسليط الحملات التي تصفهم بالتطرف والإرهاب والأصولية، مع تركهم مكشوفين في العراء، عرضة لانتقاد وسخرية أعداء الهوية؛ كيلا يشكل الدين أي مرجعية معتبرة للأمة.
ومنها: إشغال المسلمين بالشهوات ووسائل الترفيه التي تستهلك طاقات المسلمين وأوقاتهم، وتدفع المجتمع إلى السطحية في النظر إلى الحقائق، وذلك بزيادة معدلات تعرضه للإعلام الترفيهي، مع تقليل الزمن المتاح للتأمل والتفكر والتدبر في الأحداث اليومية، وبذا تعد وسائل الترفيه آلات الجراحة النفسية المطلوبة لاستبدال الهوية.
* أ/جمال سلطان:
إذا اعتبرنا وسائل الترفيه بمثابة آلات تخدير واسترخاء فمن المعلوم أنه في فترات الاسترخاء تضعف (المناعة الاجتماعية) بألوانها المختلفة، مما يعني اتساع دائرة نفاذ الغزو الخارجي والتأثير على الهوية.
وبالتأمل في تاريخ الأندلس، وبالذات مرحلة السقوط، نجد أن الخطر ظهر منذ أن غزت مظاهر الترف المجتمع من قمته إلى قاعدته، والترف ناشئ عن الشعور بالاسترخاء وعدم وجود تحدّّ أو صراع؛ لأنه لا خوف من الصراع؛ إذ يستنفر الطاقات ويوقظها، كما قال تعالى ـ معللًا أخذ المؤمنين الحذر ـ: (( ... وَدَّ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً... ) ) [ النساء: 102] ، والحذر واجب ومتأكد حتى في الصلاة. والجسم المستنفر يقظ قوي يصعب اختراقه، على عكس المسترخي والمستأنس الذي غابت عنده قضية الولاء والبراء، فبدأت اللوثات في المزاحمة.
* د/مصطفى حلمي: