فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 719

(*) «الظهير البربري» الذي أصدره هنري يونسو بتاريخ 32/21/2531هـ الموافق 8/4/4391م كان يقوم على عزل مناطق العرف البربري عن الإدارة السلطانية القضائية والتعليمية، وتخصيصها بمحاكم عرفية لا ترجع في أمورها إلى أحكام الإسلام، بل إلى عرف القبائل! وبقي الظهير الاستعماري كذلك حتى ألغاه السلطان محمد الخامس الذي أعلن في مهرجان شعبي عقد بمدينة الخميسات: (أن ما أطلقت عليه فرنسا(مناطق العرف البربري) هي سياسة قد أقبرت وألغيت نهائيًا، ولم يبق العمل بها جاريًا في المغرب الحر الموحد والمستقل)، وبدأت بعد ذلك سلسلة من النصوص التشريعية تصدر على التوالي في الجريدة الرسمية، فكان أول ظهير شريف صدر منها هو الظهير رقم 1-1-0 - 56 - 1 المؤرخ بـ 42/7/5731هـ، الموافق 7/3/6591م، وهذا الظهير هو الذي ألغى الظهير البربري

تحضير عملية تغيير الهوية بعد التفكيك السياسي في الصومال

إبراهيم عبد الله محمد

تكاثرت التصريحات الأمريكية حول اتهام الصومال باحتضان أعضاء من القاعدة وإيوائهم؛ حتى ملأت دنيا القرن الإفريقي صخبًا إعلاميًا متواصلًا، وخاصة أنها تصدر من مختلف المسؤولين في الإدارات السياسية والإعلامية والعسكرية الأمريكية، وكأن الصومال شارك عمليًا ومباشرة في الزلزال الذي هز مدينتي واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وذلك في سياق نبش كل الملفات التاريخية ذات العلاقة بالاشتباكات الدامية التي جرت بين القوات الأمريكية وسكان (مقديشو) بقيادة الجنرال (محمد فارح عيديد) عام 1993م، وقراءة المعلومات والمعطيات الميدانية ذات التوثيق المشبوه والمزعوم من قِبَل ما يسمى (بالمعارضة الصومالية) .

ويرى المراقبون في الصومال أن التصعيد الأميركي ضد الصومال بحجة محاربة الإرهاب؛ يرمي إلى تحقيق أهداف أهمها إرادة الانتقام لجنودها الذين سقطوا في مقديشو، والاطلاع على حجم التيار الأصولي في الصومال، ومن ثم فقد رتبت الحكومة الصومالية بمهارة أفكارها وأوراقها في ثلاثة مسارات متناسقة ومتكاملة ذات دلالات مفحمة:

أولًا: بدأت باستضافة الوفد الأمريكي الذي كان من بين أعضائه المسؤول عن الملف الصومالي في السفارة الأمريكية في (نيروبي) .

ثانيًا: إتاحة الفرصة للأسطول الأمريكي لمتابعة ومراقبة حركة السفن الداخلة والخارجة في المياه الإقليمية والموانئ الصومالية، كتأكيد واضح بأن الصومال يقف في صدارة القوى الدولية التي شجبت واستنكرت الهجمات في نيويورك وواشنطن، وباعتبار الصومال البلد الإفريقي الأول الذي يواجه منذ 10 سنوات أعمال إرهاب أمنية، وإفقار اقتصادي، وانقسام سياسي داخليًا وإقليميًا.

ثم ثالثًا: إفهام الأمريكيين - انطباعًا لا تلقينًا - أن الأصولية الإسلامية التي يتردد ذكرها في إعلام ما يسمى (المعارضة الصومالية) - والمدفوعة من الخارج - في سبيل التشهير والتسويق لفكرة وجود قواعد إرهابية في (مقديشو، وبوصاصو) ؛ إنما هي جزء من الإرث الوطني والأصالة الصومالية التي لها عمقها التاريخي في الآباء والأجداد، وسيبقى لها جذورها في الأبناء والأحفاد كباقي الأصوليات في الأديان المختلفة؛ بما فيها النصرانية واليهودية والهندوسية والبوذية؛ إذ لم يعد مقبولًا ولا مسلَّمًا في العالمين العربي والإسلامي تحميل نعوت التطرف والإرهاب على الأصولية الإسلامية فقط وتبرئة ساحات بقية الأصوليات الأخرى؛ إضافة إلى أن نتائج الهيمنة السياسية والثقافية والاقتصادية والفكرية والعسكرية، والتي تهدف إلى تهميش دور العالم الثالث وتطويق حضور كفاياته في الأصعدة المذكورة؛ تعادل وتماثل أضرار التطرف والإرهاب من حيث إلغاء حقوق هذا العالم النامي وكرامته وسيادته.

وفي إطار جهود الحكومة الانتقالية الصومالية لإقناع الحكومة الأمريكية بالصدق في خلو الصومال من رجال القاعدة؛ أصبح الصومال حريصًا على رؤية دور أمريكي إيجابي في المنطقة ينضم إلى دور الدول المعترفة بالحكومة الانتقالية، ويقيم معها علاقات الصداقة والتعاون، ويفسح المجال أمام عودة سفراء الدول التي كانت لها علاقات دبلوماسية مع الصومال قبل الانهيار، وذلك في سبيل عودة جميع أقاليم الصومال إلى الالتئام تحت الحكومة الانتقالية اجتثاثًا لجذور البؤس والانشقاق، وإنهاءً لدواعي العنف والحروب والتشرذم السياسي باسم المعارضة التي تمارس لعبة (الإرهاب والغزاة) ؛ من حيث إرعاب الصوماليين في أمنهم وسيادتهم وإثارة القلاقل في الحدود الإقليمية، ولكن على الرغم من هذه الجهود يظل الموقف الأمريكي يرفع وتيرة التصعيد والتهديد؛ تتجاذبه المخاوف والشكوك والتردد بين القراءة الإثيوبية للوضع الصومالي، والتي ترسم واقعًا إسلاميًا مخيفًا ذا علاقة بالإرهاب المزعوم، وبين الصورة الحقيقية لهذه القوة التي لا تزيد عن كونها وجود هوية وثقافة وعقيدة وتاريخ، وليس وجودًا حزبيًا ولا ثوريًا ولا سياسيًا؛ عقب أن تخلى الاتحاد عن حمل السلاح منذ منتصف التسعينيات؛ لتأكيد اتجاهه نحو الإصلاح الاجتماعي، والمساهمة في حل مشكلات الإنسان الصومالي، وابتعاده عن مظان الاتهام بالتطرف.

وقد اعترف المسؤول الأمريكي عن شؤون القارة الإفريقية في تصريح له في 7/2/ 2002م بوجود هذا الاتجاه الإصلاحي، وأن شباب الاتحاد الإسلامي في الصومال انتشر انتشارًا اجتماعيًا مهنيًا وثقافيًا، ولكنه على الرغم من ذلك رأى في مجرد وجود هذه القوة الوطنية الإسلامية في الصومال واتجاهها الجديد تفريخًا للعناصر التي سماها بالإرهابية وتهديدًا لأمريكا، ومن ثم دعا إلى القضاء عليها؛ مما لم يدع مجالًا للشك في أن الولايات المتحدة تتبنى الغزو الإثيوبي للصومال، وتتحين الفرص لإعلان الحرب الدينية على العرب والمسلمين؛ لا لأنها تخاف من أفراد إسلاميين فقراء يعيشون في مجاهل قرى الصومال، ولا مقدرة لهم على تغطية هموهم الاجتماعية والزراعية والصحية، وإصلاح شؤونهم التعليمية والاقتصادية والأمنية؛ بل لأنها تؤمن بأن تنحية الإسلام بوصفه عقيدة وهوية وطاقة قادرة على التحدي عن مراكز القيادة والريادة للحضارة العالمية؛ يزيد من تعزيز وتثبيت مشروعها لجعل القرن الحالي ماديًا وفكريًا وسياسيًا قرنًا أمريكيًا بدون منازع استراتيجيًا وعالميًا، ولأنها تريد تصفية النهضة العربية في الصومال بوصفها انتماء وثقافة ونضالًا مرحليًا وإقليميًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت