وأخيرًا فإن الحركة الأمازيغية في تقديري حركة وطنية؛ تسعى إلى البناء لا إلى الهدم والتخريب؛ حتى يتوقع منها خطر على الوحدة الوطنية في المستقبل؛ لأن هؤلاء أحفاد المجاهدين المؤمنين الصادقين كطارق بن زياد، وعبد الكريم الخطابي، وموحى أحمو الزياني، وموحى أسعيد، ومحمد الحنصالي، وعسو أباسلام، وغيرهم كثير ممن خدموا الإسلام وجاهدوا في سبيل الله، ولم يكتب لأسمائهم أن تظهر على صفحات التاريخ، ولكنهم عند ربهم يرزقون إن شاء الله.
* الدكتور عبد الرحمن حيسي:
إذا وجدت النيات الحسنة، وسادت روح التعاون بين جميع الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي والثقافي المغربي؛ فإن الأمور ستسير سيرًا طبيعيًا، ولن تأخذ القضية أكثر من حجمها الحقيقي. ولا بد من التأكيد في هذا السياق على أن وجود الإسلام في المغرب وجود راسخ ومتجذر في أعماق تاريخه العريق وحضارته الأصلية، وهو اليوم كما كان بالأمس دين كل المغاربة على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم الثقافية والفكرية؛ منه يستمدون قوتهم ووحدتهم وعزتهم واستقرارهم، لا يجادل في ذلك ولا يساوم إلا من سفه عقله، أو كان جاهلًا بواقع المغرب وتاريخه.
وقد تبادر إلى ذهني سؤال وأنا أجيب عن الأسئلة حول «الأمازيغية» ؛ وهو: لماذا لم يحدث مثل هذا التخوف من الشيوعية والعلمانية والفرنكوفونية والأنجلوفونية وغيرها من التيارات التي لها وجود فعلي في الوسط السياسي والثقافي المغربي؟!
* الدكتور محمد سدرة:
لا أعتقد أن هناك أخطارًا مباشرة من الحركة الأمازيغية؛ إذ لا أعتبرها تقف على أسس بإمكانها زعزعة الوحدة الوطنية، وخاصة حول الدين المتغلغل في أعماق المغاربة رغم كل العواصف. ولكن الخطر الوحيد الذي يمكن أن تكون الأمازيغة طرفًا فيه هو الإحباط المؤدي إلى الاستسلام والعبثية، خاصة مع الإحباطات السياسية والاجتماعية، على المستوى المحلي والجهوي والدولي للأمة الإسلامية، وهذا خطر يصيب المغاربة عبر التاريخ لفترات طويلة، لكنهم ينتفضون منه في الوقت المناسب.
* الأستاذ جواد بن امغار:
إن الخطاب المتطرف في الحركة الأمازيغية ينذر ـ لا قدر الله ـ بمشكلات التفرقة، والتجزئة والانفصال كما آلت كثير من الحركات في بلدان متعددة من العالم؛ من حركات ثقافية لغوية إلى حركات متطرفة انفصالية.
( البيان ) : ما هو السبيل للعودة بالبلاد إلى سابق عهدها الوحدوي المتماسك دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا ونفسيًا؟
* الدكتور عبد الرحمن حيسي:
هذا السؤال لا مسوِّغ له؛ لأن المغرب لم يفقد شيئًا من وحدته الدينية والاجتماعية والنفسية كما ذكر، وما نلاحظه على أرض الواقع من تعايش واستقرار سياسي واجتماعي ووحدة في الموقف تجاه القضايا الكبرى والمصيرية للمغرب خير شاهد على ذلك.
* الدكتور الحسين كنوان:
نشر عدل الإسلام ورحمته، وتعلم اللغة العربية لفهمه على أكمل وجه.
* الدكتور محمد سدرة:
في تقديري المتواضع، هناك وصفتان لا بديل عنهما:
الأولى دينية: تتمثل في تكثيف عملية التوعية الدينية والحملات الدعوية عبر شرائح المجتمع، وخاصة الطبقات الشعبية والأمازيغية منها على وجه الخصوص. وقد دلت قرائن متعددة على دور هذه التوعية في التحام المغاربة وتماسكهم؛ رغم الأوضاع المزرية التي يعيشونها، وخير مثال على ذلك ما أثارته قضية (مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية) الذي أراد التيار الشيوعي فرضه على المغاربة، فعبروا بإجماع، عربًا وأمازيغ؛ عن رفضهم ومقاومتهم له، وأولهم النساء.
الثانية اجتماعية: تتمثل في إعادة الثقة إلى الشرائح المحرومة من المجتمع بالاهتمام بها على مستوى ضمان خبزها اليومي، والعناية بصحتها وتعليمها، والتواصل معها في همومها اليومية.
* الأستاذ جواد بنامغار:
لا شك أن التمسك بالإسلام هو أساس وحدة الشعب المغربي عبر تاريخه كله، وهو أساس الأخوة والتكامل والتضامن بين جميع أفراده، لكن هذا المعنى شابته شوائب مختلفة - على مر السنين - أضعفت من قوته وفاعليته، فلا بد من تكثيف الجهود الدعوية، والتربوية، والعلمية والإعلامية؛ لبناء الإنسان القرآني الذي يجسد الإسلام حقًا على أرض الواقع.
وموازاة مع ذلك لا بد من محاصرة بوادر الخلاف والتفرقة، ومعالجة علل التدين، والتصدي للجهل بالدين الأساس أو تجاهله، وكذا التصدي لموجات الغزو الفكري، والإباحية الأخلاقية. لا بد من مواجهة كل هذا بالدعوة إلى الله ـ تعالى ـ على بصيرة، وعلى نهج الحكمة والموعظة الحسنة، والحوار البناء مع كل مخلص غيور، والتعاون مع كل ذي نية حسنة تكثيرًا لسواد الخير وأهله، ومحاصرة لأهل البغي والفساد والإفساد.
ولا بد كذلك من نقد ذاتي صريح، وعلاج شامل متكامل؛ ذلك أن كثيرًا من الظواهر الفكرية والاجتماعية تجد لها عمقًا في الذات؛ فهمًا وممارسة وتعاملًا، وربنا ـ تبارك وتعالى ـ يقول: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد: 11] .
( البيان ) : نشكر السادة الأساتذة الفضلاء على قبولهم المشاركة في هذا الحوار العلمي القيم، ونشكرهم كذلك على صبرهم على أسئلتنا، وتفضلهم بآرائهم في كل ما تعلق بكلماتها، وبما وراء كلماتها.
لقد تبين إذن من خلال حديثكم القيم أن الإسلام هو الوعاء الطبيعي لكل نشاط ثقافي أو سياسي يرجى له النجاح في علاج مشكلات الأمة، وأن أي شذوذ عن الإطار الإسلامي إنما هو تحليق خارج سرب الأمة؛ فلا هو يمثلها وإنما هو يمثل نفسه خاصة، وأن الأمازيغية الحرة ترفض أن يتكلم باسمها الماركسيون اللينينيون، أو الفرنكوفونيون الاستئصاليون. وأن أي استغلال علماني لمظلتها إنما مصيره الإخفاق؛ لسبب بسيط هو أنه مناقضة لسنن الحضارة، وأصول العمران، وقواعد الاجتماع البشري؛ فالمغرب المعاصر الذي يستمد وجوده من التاريخ إنما كان يوم كان بهذا الدين؛ فقد تشكلت هويته عبر قرون من التراكم الثقافي والإثني في إطار الإسلام؛ فمنذ الفتح الإسلامي الذي وقع في القرن الأول الهجري، وهو يتشكل عبر تعاقب الدول والأجيال، لينتهي في الأخير إلى هذه الصياغة الحضارية التي مزجت بشكل عجيب ودقيق بين مكونات شتى، فكان هذا البلد كما هو حقيقة: المغرب المسلم! وكذلك هو الحال بالنسبة لدول الغرب الإسلامي عامة: ليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا. فليس أحد أقدر على الاضطلاع بمشروع التجديد لثقافته - بمعناها الشمولي - من طلائع الصحوة الإسلامية، لكن إلى أي حد هي فعلًا على صلة وثيقة بهموم الناس وبنياتهم الاجتماعية؟ وإلى أي حد هي جادة في دراسة المآلات الاجتماعية والحضارية لما يقع للأمة اليوم من إعادة تشكيل عولمي؟
تلك أسئلة أخرى، لها قصة أخرى!
(*) رئيس قسم الدراسات الإسلامية، جامعة المولى إسماعيل، مكناس، ومراسل مجلة البيان، المغرب.