( البيان ) : كيف تقومون موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية؟ وكيف تقومون تعاملها الدعوي معها؟ وذلك باعتبار أن الحركة الإسلامية حركة ذات بعد حضاري شمولي؛ الأصل فيها أن تكون لها ورقة علمية وتصور معين لكل مسألة اجتماعية ذات ارتباطات بالوجود التاريخي للوطن، ثم أن يكون - بناء على ذلك - لها أسلوبها الخاص لمعالجة مثل هذه الملفات؟!
* الدكتور الحسين كنوان:
أخي الكريم! يبدو أن سؤالكم هذا في حاجة إلى شيء من التحوير؛ حتى ينسجم أكثر مع القصد المتبادر إلى الذهن؛ ولذا أقترح عليكم تعويض جملة «الحركة الإسلامية» بـ «الحركات الإسلامية» ؛ لأنه ليس ثم وحدة حركية تامة متطابقة في وجهات النظر بين العاملين في الحقل الدعوي بالمغرب على المستوى الشكلي على الأقل، وإلا لما تعددت التسميات وتنوعت القيادات. وقد يكون لأسباب هذا الاختلاف الشكلي أثر في اختلاف وجهات النظر إزاء هذا الموضوع، والذي حملني على هذا الاقتراح هو قولكم: (وكيف تقومون تعاملها الدعوي معها؟) ؛ لأن التعامل أوْلى أن يكون مع الذوات منه مع المعاني، والله أعلم. وحتى لا أكون متعسفًا أجيب عن سؤالكم كما هو، ثم أضيف إجابة عما يحتمل من القصد المفترض.
إن كان قصدكم هو تقويم موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية - كما هو وارد في سؤالكم ـ فإن الأمر واضح؛ لأن الإسلام رسالة، واللغة أداة تبليغ، وعليه لا يمكن أن يكون موقف الداعية المسلم من أي لغة إلا موقفًا إيجابيًا؛ لأنها صلة وصل بينه وبين المدعوين، ولعل من شروط صحة كونه داعية في بيئة معينة أن يعرف لغة القوم المدعوين؛ مصداقًا لقوله ـ تعالى ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [إبراهيم: 4] ؛ وعليه فكل داعية يجهل لغة القوم المدعوين ـ فضلًا عن أن ينكر عليهم الاهتمام بلغتهم ـ يكون قد أخل بشرط من شروط صحة كونه مؤهلًا لهذه المهمة في تلك البيئة.
وأرى أن الشطر الثاني من سؤالكم بشكله: (وكيف تقومون تعاملها؟) ... يدخل ضمن هذه الإجابة.
أما إن كان قصدكم ـ كما أراه ـ هو تقويم موقف الحركات الإسلامية من الحركات الأمازيغية؛ فإن الأمر واضح أيضًا؛ ذلك أن الإسلام ممثلًا في الحركات الإسلامية (إن كان ممثلًا بالمستوى المطلوب حقًا) ، لا يقبل التجزؤ والتشتت بين أفراد المجتمع المسلم، بل يقبل التنوع والاختلاف في الجزئيات، في إطار وحدة شاملة تؤطرها الكليات، وفي هذا الإطار يمكن وصف ما قد يحصل بين الحركتين من خلاف.
وإن كانت ثمة مواقف متباينة، أو سلوكات من هذا الجانب أو ذاك إزاء الآخر؛ فإنه يمكن تفسيره بضعف في فهم فقه تنزيل الإسلام على الواقع (إن حدث من أية جماعة إسلامية) . أو ضيق في أفق الرؤية السياسية (إن وقع من إحدى الحركات الأمازيغية) .
* الأستاذ جواد بنامغار:
أظن أن موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية ينطلق - أو هكذا ينبغي أن يكون - من موقف الإسلام نفسه؛ فاختلاف اللغات آية من آيات الله، وتعليم اللغات وتعلمها من أجل التواصل، ومن أجل الدعوة إلى الله خاصة وتبليغ رسالته أمر مطلوب؛ مصداقًا لقوله الله ـ عز وجل ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم} [إبراهيم: 4] .
لكن ـ في المقابل ـ فإن أساس الالتحام ووحدة الأمة هو العقيدة الإسلامية التي تنبذ العرقيات والعصبيات، وتربط الناس بالله ـ تعالى ـ رب العالمين. والاهتمام باللغة العربية وإعطاؤها الأولوية عقيدة لا قومية ولا عصبية؛ لأنها هي مفتاح فهم الدين الإسلامي عقيدة وأحكامًا وأخلاقًا.
هذا من حيث المبدأ، أما عمليًا فأظن أن الحركة الإسلامية كفيت هذا النقاش حينًا من الدهر بالموقف التاريخي للأمازيغ أنفسهم الذين أحبوا العربية لمكانها من الدين، فأقبلوا عليها، وتعلموها، وبرعوا فيها لأجل فهم الإسلام، والعمل به، وتبليغه.
لكن هذا لا يعفي الآن الحركة الإسلامية - خاصة في ظل المتغيرات الجديدة - من تركيز الاهتمام باللغة الأمازيغية، بل والمسألة الأمازيغية عامة، وخاصة أن فئة عريضة من أعضائها أمازيغ، أو من أصول أمازيغية، بل كثير من قيادييها وعلمائها كذلك.
وهذا الاهتمام يجب أن يسير في اتجاهات ثلاثة:
1 -تكوين دعاة ووعاظ قادرين على شرح الإسلام ومبادئه بالأمازيغية؛ لأن كثيرًا من أهالي المناطق الأمازيغية لا يفهمون العربية، أو على الأقل لا يستوعبون بها استيعابهم بالأمازيغية.
2 -إقامة أبحاث ودراسات تبين عمق ارتباط الأمازيغ بالإسلام، ولإسهامهم في الدعوة إليه في مختلف المجالات، والدفاع عنه في شتى المناسبات، وتجلية ما تنطوي عليه الأمازيغية من مضامين إسلامية عمومًا.
3 -مد جسور التواصل والحوار مع مختلف مكونات الحركة الأمازيغية لتطويق التطرف، وإزالة الاختلاف المذموم، وإنضاج رؤية للمسألة الأمازيغية تعترف بالخصوصية، وتتشبث بالوحدة في إطار التنوع والتكامل.
( البيان ) : ما الأخطار في نظركم التي يمكن أن تسببها الحركة الأمازيغية لمستقبل المغرب الإسلامي؟ طبعًا نتحدث عن التيارات السياسية العنصرية؛ لا عن الأمازيغية من حيث هي لغة وطنية؟
* الدكتور الحسين كنوان:
لقد سبق أن قلت لكم: ينبغي أن نهتم بجواهر الأمور لا بأعراضها، وفي هذا السياق أقول: أراكم تتحدثون عن الأمازيغية كأنها غول دخيل يتربص بالمغرب الدوائر، وكأن غيرها من الحركات - وهي دخيلة فعلًا شكلًا ومضمونًا ـ لا يشكل أي خطر على الوحدة الوطنية، وقد سبق أن قلت أيضًا: عندما لا تحترم مقومات العروبة بالشكل اللائق، وتعلن ممارسات ضد الإسلام؛ فإن الرجوع إلى الأصل أصل، ونحن نرى على أرض الواقع أن مجال استعمال اللغة العربية ـ وهي المقوم الأول للعروبة ـ يضيق عند الأفراد والمؤسسات، وإن سجلنا ـ بكامل الأسف - أثناء الحديث عن سؤال سابق: الغياب المطلق لاهتمام العالم الإسلامي عمومًا، والعالم العربي خصوصًا بالثقافة الأمازيغية، مقابل العناية المشبوهة لعدد من الدول الأوروبية، والآسيوية والأمريكية بها، أمام كل هذا، عندما نقول للأمازيغ: «إن حركتكم هذه تشكل خطرًا ما على مستقبل المغرب الإسلامي» ؛ فإننا نقول له أحد الأمرين:
أولهما: أنك لست مغربيًا، ولا حق لك في أن تفكر في هويتك، فكن فرنكفونيًا، أو شيوعيًا، أو ما شئت إلا أن تدعي أنك أمازيغي، وكان بالإمكان أن نختار لك الإسلام الذي لم نلقنك ما يكفي من مبادئه لتشب عليها منذ نعومة أظفارك، وربما لم تعامل مرة بعدله، ولا شملتك رحمته فيما عشت من حياتك، أو العروبة المفككة التي لم يعد كثير من أبنائها يحترمون أبسط مظاهر انتمائهم لها، ممن يوجدون حولك.
ثانيها: ونقول له ثانيًا: عليك أن تعطل عقلك، وتبدل إحساسك، وتزكم ذوقك؛ لتتبع من أهمل أحوالك المادية والمعنوية. إنه والله منطق غير مقبول.
فالأمازيغي مهما كان؛ إنسان مغربي وطني مسلم أصيل، ولن يشكل أي خطر على مستقبل بلده، نعم من حقه أن يمارس نشاطه السياسي كغيره! فإن ضل هديناه، وإن أخطأ وجَّهناه، وإن أصاب عضدناه، وإن اشتكى من أننا ظلمناه أنصفناه.
وأرى أن التنظيمات الأمازيغية كغيرها من التنظيمات السياسية قد تمثل فئة من المواطنين الذين يتعاطفون معها لسبب أو لآخر، كُلًا أو بعضًا، فقد ينساق البعض وراء شعارات الأمازيغية كمفهوم عام، ولكن قد يتبرؤون من هذا الادعاء أو ذاك؛ مما فيه ثقل المسؤولية أو شبه احتمال الإضرار بسمعة البلاد بشكل ما.