وبخصوص السؤال الثاني: الذي هو احتمال رد فعل لنزعة القومية... إلخ؛ فيمكن القول بأن نسبة من ذلك موجودة، وإن لم نقل إنها سائرة إلى الزوال إذا بقي الحال على ما هو عليه، فهي ضعيفة جدًا عند الأفراد، وهي كلام أكثر منها تخطيط وإنجاز، وتآزر فعلي في الشدائد عند الهيئات؛ فالأجهزة القومية العربية شبه معطلة. ومع ذلك فهذا الجانب وارد عند البعض بنسبةٍ ما، وقد يحركه ويوقظه عامل عقد مؤتمرات القومية العربية؛ في دولٍ نسبة كبيرة من سكانها أمازيغ؛ دون أن يعار لهم أي اعتبار، فقد قدر لي أن حضرت إحدى جلسات «مؤتمر القوميين العرب» بمدينة فاس، وكان الإلحاح من لدن المتدخلين على تثبيت دعائم القومية العربية؛ مما جعلني أهمس في أذن أحد الإخوة (مازحًا بالطبع) : إن مثلي لا مكان له في هذا الملتقى؛ لأنه خاص بالقوميين العرب وأنا أمازيغي!
وعليه فالذي يبقى مقصودًا في بؤرة تساؤلاتكم هذه هو الشطر الأول من سؤالكم بقسميه: محاربة الإسلام الذي حمل أبناء الأمازيغ لواء نشره، أو الدفاع عنه في أكثر من مناسبة من تاريخ المغرب، مع العمل على شق صف الوحدة الوطنية؛ لأجل إضعافها كوسيلة لخدمة الهدف الأول، وهو أمر خطط له الدخيل (الاستعمار) منذ زمان بإحكام، كما سبقت الإشارة إلى ذلك؛ ولذا لا يتوانى في توظيف أدوات الضغط التي يراها مناسبة في كل زمان.
* الدكتور عبد الرحمن حيسي:
الحقيقة أن الأمازيغية ـ كما ذكرت سابقًا ـ ليست حركة عنصرية، وليس من أهدافها مواجهة الصحوة الإسلامية؛ لأن «الأمازيغ» سلفًا وخلفًا يدينون بالإسلام، ولا يوجد بينهم من يعتنق غيره، وهو اختيار لن يرتدوا عنه ـ إن شاء الله ـ أبدًا، وتاريخ المغرب القديم والحديث يشهد على ذلك.
وليس من أهداف «الأمازيغ» أيضًا تهديد الوحدة الوطنية؛ لأن دينهم يدعو إلى الوحدة لا إلى التفرق، وهم يدركون جيدًا أن قوة المغرب واستقراره تستلزم الحفاظ على هذه الوحدة والذود عنها، ولا يوجد في مواثيقهم وتقاريرهم الرسمية ما يخالف ذلك، أما الهدف الحقيقي لهذه الحركة فهو إحياء التراث الثقافي الأمازيغي بوصفه إرثًا حضاريًا للمغرب ولكل المغاربة، ومن مكونات ذاكرتهم التاريخية، وأعتقد أن هذا الهدف يعطي لهذه الحركة الحق في الوجود قبل حركات أخرى أكثر بعدًا عن دين المغاربة وقيمهم وثقافتهم؛ كالفرنكوفونية والأنجلوفونية وغيرهما.
* الدكتور محمد سدرة:
في اعتقادي أن الحركة هي ردة فعل طبيعية لحركة القومية العربية الحديثة؛ على غرار ما وقع في البلاد العربية الأخرى، من فرعونية وقبطية وفينيقية وبابلية... إلخ. وقد ساهم الاستعمار الأوروبي الغربي في تغذية هذا الشعور وتحميسه؛ لزيادة الفرقة بين أبناء العالم الإسلامي.
* الأستاذ جواد بنامغار:
ومع ذلك؛ فإني أرى أن هناك توجهات معينة داخل الحركة الأمازيغية؛ هي ـ مع الأسف ـ ترمي إلى التفرقة العرقية، ومحاربة اللغة العربية، وفصل الأمازيغ عن الإسلام، وتفكيك الوحدة الإسلامية التي انصهر فيها المغاربة عربًا وأمازيغ... إن كل هذا يهدد الوحدة الوطنية ـ طبعًا ـ ويهدد الإسلام الذي هو غاية الصحوة الإسلامية ومقصدها.
( البيان ) : في ضوء ذلك: هل نعد ما تطالب به الحركة الأمازيغية اليوم من تعليم اللغة الأمازيغية بالمدارس الحكومية والمعاهد الرسمية ـ والتي يبدو أن شيئًا من ذلك بدأ بالتحقق بالفعل على أرض الواقع ـ، مع الإصرار على المطالبة بالكتابة بالحرف الأمازيغي القديم دون الحرف العربي؛ هل نعد هذا ظاهرة سلبية أم إيجابية؟
* الدكتور محمد سدرة:
أعتقد أن هذه الظاهرة سيف ذو حدين؛ فهي ولا شك دعوة خبيثة ـ وإن كانت عند البعض عن حسن نية ـ ستؤدي إلى تقويض اللغة العربية في أذهان الأمازيغ كما وقع في تركيا (لا قدر الله ذلك) ، وهي من جهة أخرى قد تنقلب ضدًا على إرادة التيار الإلحادي العنصري في الحركة، فتكون وسيلة ناجحة لتعميق الإسلام والهوية الإسلامية في نفوس الأمازيغ؛ لو نجحت فكرة الكتابة باللغة الأمازيغية. ولا أظن ذلك ناجحًا.
* الدكتور الحسين كنوان:
كان ينبغي أن نفرق منذ البداية بين الأمازيغية كمعطى تاريخي اجتماعي أصيل على أرض المغرب؛ بجميع ما يحمله من مكونات ثقافية وحضارية، وبين الحركة الأمازيغية كمفهوم سياسي محض، وإن كانت تستند في ادعاءاتها إلى التاريخ، وهذا المفهوم الأخير لمصطلح «الأمازيغية» هو الذي يثير شيئًا من الحساسية عند البعض، ولولا هذه الحساسية لاعتبرت الحركة كأي حزب سياسي، ولكان من الواجب على المؤسسات التي تمثل المغاربة تأطيرًا أن تطالب بتدريس الأمازيغية في إطار مفهوم ثقافي شامل؛ لأنه لا يعقل أن يجدف المغرب بجناح واحد في هذا المجال، ولأن اللغة الأمازيغية إن لم تكن لغة المصالح؛ أي لغة العلم نظرًا لأسباب تاريخية طبيعية يمكن أن تنطبق على أي لغة من اللغات الإنسانية التي ضعف أهلها (كما هو حال اللغة العربية في وقتنا الحاضر) ، فهي لغة المشاعر لدى شريحة اجتماعية لا يستهان بها، أضف إلى ذلك أنها علميًا على مستوى أسماء الأعلام قد تفيد المؤرخ والجغرافي وعالم الحفريات، وربما حتى الاجتماعي والسياسي؛ ولذا من الإنصاف للتاريخ أن يطالب المغاربة بإتمام شخصية ثقافتهم؛ لا أن يترك ذلك لفئة معينة، أو تجنح بها الأهواء، وقصور الرؤية، فتسيء من حيث كان قصدها الإحسان.
والمغرب منذ بداية التخطيط لعهد الحماية، وهو خاضع بشكل ممنهج للغزو الفكري واللغوي، بما لا يمت إلى شخصيته بصلة، وإنما بما يمثل الأطماع الأجنبية إلى درجة أن اللغة العربية التي هي في الدرجة الأولى دستوريًا صارت ثانية على المستوى الفعلي، وربما تصبح في الدرجة الثالثة، ثم الرابعة؛ إذا بقيت الأمور على ما هي عليه؛ إذ إن كثيرًا من المغاربة المحسوبين على العروبة لا يعرفون اللغة العربية، ومن عرفها منهم لا يحرص على استعمالها في الدرجة الأولى كتابة ومخاطبة إلا من رحم الله.
وربما لا يرغب البعض الآخر في تعلمها وتعليمها لأبنائهم، وهذا ما يفسر اكتظاظ مدارس البعثات الثقافية بأبناء طبقة من المغاربة؛ لأن الشعور بالانتماء الحضاري ضعيف عند هؤلاء، إن لم يكن قد زال تمامًا.
في هذا المناخ يحق لمن يطالب بتعليم الأمازيغية أن يفعل ذلك من وجهة نظري؛ لأنها اللغة التي تسهم في حماية الهوية المغربية ـ إذ الرجوع إلى الأصل أصل ـ لما بدأ التفريط في المقومات التي تجمع المغاربة منذ قرون، وفتح الباب على مصراعيه لحرية الانتماء الإيديولوجي؛ هنا يكون تدريس الأمازيغية أمرًا واجبًا؛ لأنها وحدها المعطى الحضاري الوحيد الذي يحتضن بعض المفاهيم الأصلية، ولا نحتاج إلى تقديم أدلة على تنامي عدد المعرضين عن العروبة والإسلام من المغاربة غير الأمازيغ. وعليه يكون هذا المطلب (تدريس الأمازيغية) إيجابيًا باعتبار الحيثيات المذكورة.
أما الإصرار على الكتابة بالحرف الأمازيغي فإنه يمكن القول ـ بقطع النظر عن الخلفية التي تدفع إلى ذلك ـ بأن الحرف العربي على الحالة التي هو عليها لا يمثل مخارج أصوات الأمازيغية بالشكل الكيفي المطلوب، ولعل هذا التمثيل قد يتوفر في الحرف الأمازيغي؛ لأنه موضوع أصلًا لذلك؛ حيث يجمع بين الشكل والنطق في ذهنية المتعلم. أما الحرف العربي فإن كان لا بد من استعماله فإنه ينبغي إدخال بعض التعديلات عليه بإضافة علامات يصطلح عليها لبعض الحروف؛ حتى تمثل أصواتًا أمازيغية لا وجود لمقابلاتها في الحرف العربي الموجود حاليًا.