فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 719

السؤال يربط ضمنيًا بين الحركة الأمازيغية الحديثة والظهير البربري الاستعماري من حيث المبادئ والأهداف، وقد بينت سابقًا أن لا علاقة بينهما، وإلا فعليكم إثبات العكس بأدلة ملموسة من مقررات ومواثيق هذه الحركة حتى أصحح معلوماتي. وكذلك فما جاء في السؤال من وصف الوطنيين الأمازيغ في أيامنا هذه بالتنكر لقيمهم التاريخية والدينية، ولنضالهم ضد الاستعمار ومحاربتهم للظهير البربري ورفعهم لشعارات معادية للعرب يحتاج أيضًا إلى دلائل موضوعية وحجج ثابتة؛ حتى تكون الإجابة منطقية ومعقولة ومنصفة.

ولا بد من التأكيد في هذا الصدد على أن كثيرًا من المذاهب الفكرية والسياسية قد تكون لها أحيانًا مواقف شاذة ومتطرفة، لكن هذه المواقف لا تمثل أبدًا الإرادة الجماعية والموقف الجماعي لهذه المذاهب.

( البيان ) : عفوًا فضيلة الأستاذ المحترم؛ نحن طبعًا لا نتهم جميع الجمعيات الأمازيغية، ونحترم الاتجاهات الوطنية منها كل الاحترام، ولكنه تواتر عن بعضها ـ مع الأسف ـ مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) ، والمطالبة بإحياء الثقافة الأمازيغية القديمة؛ أي أمازيغية ما قبل الفتح الإسلامي، وهي ثقافة وثنية محضة!

* الأستاذ جواد بنامغار:

أرى أن هناك بعدًا آخر في الموضوع، وهو أن الاستعمار العسكري يستفز بطبيعته إرادة المقاومة في الشعوب، ويشعرهم بقيمة الوحدة والتلاحم، أضف إلى ذلك أن التيار السائد آنذاك هو تيار الوطنية المبني على أساس ديني سلفي، لكن بعد مرحلة الاستعمار عرفت كثير من البلدان فلسفات ونظريات وافدة، وتفرقت كثير من الأحزاب على أسس ومرجعيات لا دينية، إضافة إلى ما أصبحت البلدان الإسلامية ـ ومنها المغرب ـ عرضة له من غزو فكري وثقافي، وتغريب للنخب من أجل رجوع الاستعمار من النافذة بعدما خرج من الباب، مع تفريط كثير من الحكومات المتعاقبة في تحصين الأجيال الناشئة، وتربيتها على أسس متينة من التربية الإسلامية التي تفرقت بها السبل عن سبيل الله، وهذه كلها عوامل قوية ومساعدة لنجاح أي دعوة أو حركة كيفما كانت، وفي هذا الإطار يمكن فهم الدعوات المتطرفة في الحركة الأمازيغية التي تعيد إلى الأذهان الظهير الاستعماري الفرنسي لفصل «البربر» عن الإسلام، والتفريق بينهم وبين العرب.

( البيان ) : ولكن العجيب أيضًا أن التيار الأمازيغي صار مدعومًا من قبل الشيوعيين المتطرفين؛ خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بل إن فلولهم هي التي تملأ الآن صفوف الحركة الأمازيغية! فكيف تفسرون ذلك؟

* الدكتور محمد سدرة:

لا غرابة أيضًا في هذا الأمر؛ فالإناء الفارغ ـ كما يقال ـ توجد فيه القابلية للامتلاء بأي شيء مهما كان نوعه، فهؤلاء الأتباع ـ الذين كنت أسميهم دائمًا (بالخبزيين) المصلحيين - ديدنهم الثابت هو التصفيق لكل ما يرون فيه مطية لعداوة الإسلام، وتحقيق طموحاتهم المخبولة، وإن لم يكونوا على يقين من النتائج، كما يشهد المسار التاريخي للفكر والعقيدة الشيوعية على ذلك.

* الدكتور الحسين كنوان:

يمكن أن ندرج ضمن الإجابة عن هذا السؤال نقاطًا ثلاثًا هي:

أ - تتبنى الشيوعية مقولة الدفاع عن الطبقة الكادحة المحرومة، ولعلها لاحظت معالم الحرمان في أوساط «إمازيغن» ؛ ولذا وجدت مجالها الخصب في عقلية بعض المتعلمين من أولئك، فعندما يتحدث الشيوعي المستقطب في أوساط الشباب عن الفقر والحرمان، ويجعل سبب ذلك هو البورجوازية المستبدة بخيرات البلاد، وبالخصوص تلك التي تسكن المدن الكبرى ويتوفر لأبنائها من فرص العيش ما لا يتوفر لغيرهم؛ فإن هذا المتعلم الأمازيغي يرى تجليات تلك الأوصاف منطبقة على حياته بشكل أو بآخر؛ ولذا لا نستغرب أن نجد بعض هؤلاء قد تمركسوا؛ لأن المناطق التي تسكنها هذه الشريحة الاجتماعية المهمة من أبناء وطننا؛ لم تحظ بالعناية الاقتصادية والاجتماعية اللازمة.

ويبدو أن لصعوبة التضاريس دورًا في عسر التنمية بالمناطق المذكورة؛ لأن الأمازيغ يقطنون الجبال والأرياف، عكس غيرهم ممن يكونون متضررين من نقصان التنمية مثلهم. إلا أن بعض سنوات الخصب، أو قربهم من المدن التي تتركز فيها الحركة الاقتصادية، أو مرور بعض الطرق المهمة التي تربط قراهم بالمناطق الاقتصادية؛ قد يخفف عنهم وطأة الحرمان، والآلام إلى حد ما.

ب - يبدو أن هذا العنصر البشري من سكان المغرب «إمازيغن» يحظى بعناية خاصة لسبب من الأسباب من لدن عدد من دول العالم ـ غير العربية والإسلامية ـ وهذه الدول استعمارية عسكريًا وفكريًا، أو فكريًا فقط في أغلبها؛ إذ من المعلوم أن اللغة الأمازيغية تُدرّس في حوالي ست عشرة (61) مؤسسة جامعية موزعة على إحدى عشرة دولة من بينها دولة إفريقية واحدة، أما الباقي فهو موزع بين دول القارات الثلاث هي: أوروبا (ولها حصة الأسد) ، ثم أمريكا، وآسيا. ويمكن أن نلاحظ زيادة اهتمام فرنسا صاحبة «الفرنكوفونية» بالأمازيغية في الدرجة الأولى بأربع مؤسسات جامعية من بين العدد المذكور، تليها أمريكا بثلاث مؤسسات، وهذا أمر لا يحتاج إلى تعليق.

والغريب في الأمر هو غياب تام لاهتمام الدول العربية والإسلامية بهذا الأمر.

ج - إن الشيوعية ترفض الدين جملة وتفصيلًا، والإنسان الأمازيغي مؤمن بربه ـ كما تمت الإشارة إلى ذلك ـ محب لوطنه، مستميت في الدفاع عن مقدساته. وقد سبقت الإشارة إلى أنه أمد في عمر حرية وطنه عشرين عامًا، وهذا ما يفسر الاهتمام الاستعماري بلغته؛ ومن ثم الاهتمام به نفسه من لدن عدد من دول العالم وأنظمته ومن ضمنها الشيوعية.

* الأستاذ جواد بنامغار:

إن الاندحار الماركسي في العالم الإسلامي، وإخفاق الشيوعية على الصعيد العالمي بسقوط الاتحاد السوفييتي لا بد أن يؤدي بفلول الشيوعيين إلى البحث عن مظلات يعملون تحتها، وقنوات يصرفون من خلالها مبادئهم، ومن بين هذه القنوات «المسألة الأمازيغية» ؛ وذلك لأنها تحقق لهم بالشكل الذي يتبنونها به أمرين أساسيين:

1 -إذكاء الشقاق والصراع بين مكونات الشعب المغربي، والصراع هو مفتاح النظرية الشيوعية في توجيه الأحداث وفهم التاريخ.

2 -محاربة الإسلام، العدو اللدود للشيوعية، والذي اندحرت أمامه فكريًا وواقعيًا، وذلك من خلال محاربة العربية ـ لغته ووسيلة فهمه ـ وتشويه تاريخه، وإحداث قطيعة بين الأمازيغية والإسلام، وإحياء نعرات عرقية وعصبية وأفكار جاهلية أماتها الإسلام في هذه البلاد منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنًا.

( البيان ) : بالتأكيد يصعب تحديد أهداف حركة اجتماعية ما بدقة؛ خاصة إذا كانت تتسم بالغموض وتحوي فصائل وتوجهات فكرية وإيديولوجية متعددة. ولكن لنحاولِ المقاربة؛ ففي نظركم هل يمكن اعتبار أهداف الحركة الأمازيغية إنما هي لمواجهة الصحوة الإسلامية، أم لتهديد الوحدة الوطنية، أم لهما معًا، أم هي رد فعل لنزعة القومية العربية، أم لا هذه ولا تلك؟

* الدكتور الحسين كنوان:

نبدأ من السؤال الأخير بالترتيب العكسي للإجابة عن هذه التساؤلات؛ مع استحضار التحفظ السابق المتعلق بعدم تعميم هذا الحكم على جميع فصائل الحركة الأمازيغية.

فأما السؤال الأخير: «أم لا هذه ولا تلك؟» ؛ فغير وارد في تقديري؛ لأن الأصابع التي ينبغي أن نفترض وجودها، وأقول هذا مع احترامي لكل الآراء ما لم تمس الوحدة الوطنية؛ هذه الأصابع موجودة ولو عن طريق الإيحاء، والتوجيه من بعيد، أو استغلال الحدث وتوظيفه لصالحها بالشكل المناسب، في الوقت المناسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت