أنا عندما أتحدث في محاضراتي عن الحركة الاستشراقية الممهدة للاستعمار الغربي لبلدان العالم الإسلامي أركز دائمًا على قضية أساسية، وهي أن الغرب وإن أخفق في الاحتفاظ بجيوشه في البلاد المستعمرة وانسحب منها؛ فقد بقيت جيوشه الأخرى في رباطها تؤدي المهام المنوطة بها أحسن قيام، وقد استطاعت أن تنجح فيما لم تنجح فيه الأسلحة النارية، ومن ضمنها النعرات القومية والعرقية التي لم تنجح الظهائر في تحقيقها فيما سبق.
* الأستاذ جواد بنامغار:
إن الربط بين ظهير التفرقة الاستعماري الفرنسي وبين الحركة الأمازيغية عند كل حديث عنها أمر تمليه تخوفات كل غيور على وحدة الشعب المغربي، وتماسكه، وتشبثه بدينه، وقد تجاوز الأمر مجرد التخوف إلى قلق حقيقي بظهور أصوات من داخل الحركة الأمازيغية تحيي هذا الظهير، وتتبنى مبادئه، وتنادي بها!!
( البيان ) : ولكن كيف تفسرون إخفاق الظهير البربري في العهد الاستعماري العسكري، ونجاح التيار الأمازيغي بعد ذلك في عهود الاستقلال، بل في ظل المغرب الحديث بعد ما يقرب من خمسين سنة من تاريخ إلغاء الظهير البربري (1956م) ؛ وهل هناك خلل وقع للمجتمع المغربي ولتماسكه الوطني والديني؟ أم أن الحركة الأمازيغية جاءت بشيء جديد قَبِلَه بعض المغاربة، وقبلوا بمقتضاه ما أجمعوا على رفضه بالأمس إجماعًا شاملًا؛ مع العلم أن الحركة الوطنية هي التي تصدت له آنئذ، لكن بعض رجالاتها اليوم هم الذين يتزعمون التيار الأمازيغي ويرفعون مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) ؛ فكيف تفسرون ذلك؟
* الدكتور الحسين كنوان:
أراكم ـ أخي ـ هنا تتحدثون عن الإخفاق والنجاح: إخفاق الظهير البربري في العهد الاستعماري... ونجاح التيار الأمازيغي... فهل ثمة إخفاق بالفعل؟ ونجاح محقق؟ أي هل أخفق الظهير البربري الاستعماري فعلًا، وزالت المؤسسات التي تخدمه على أرض المغرب؟ أم أنه وضع أدواته في حالة كمون؟ وغيَّر استراتيجيته لما اصطدم بإرادة جيل من المغاربة كانت لهم مواقف من الأجنبي الدخيل؛ ريثما يهيئ جيلًا آخر من أبناء الرافضين ليتبنى ثقافته، ويخدم مصالحه، بعد أن صنعه على عينيه؛ لتكون نظرته إلى الكون والحياة هي نظرته، وترتبط مصالحه بمصالحه، فيقدم له خدمات من حيث يدري أو لا يدري، وهو يعتقد أنه يحسن صنعًا؟
وماذا حقق التيار الأمازيغي، وشعاراته سياسية أكثر منها قومية إصلاحية، هل قدم بالفعل برنامجًا إصلاحيًا لرفع المعاناة عن المناطق التي يسكنها الأمازيغ، هل تجاوز فعلا أُمَّ المشاكل عنده؟ يتعلق الأمر بمسألتين:
أولاهما: من يحق له أن يدخل تحت مصطلح (أمازيغ) ؟ وهي التسمية الأصل، ومن يرضى بالتبعية والفرعية فيسمى باسم المنطقة الجغرافية التي يوجد فيها: (الريف) ، (سوس) ، ولا ضير في ذلك على كل حال، أو يسمى بالمصطلح الآخر الذي بدأت تقل فرص استعماله (الشلح) ، وهذا المصطلح يحمل دلالة قدحية، ولا يُستعمل مع الأسف إلا ليميز سكان المغرب من غير أصل عربي!
وثانيهما: هي معضلة المتن الذي ليس له مرجع مدون يُرجع إليه، وينبغي العمل على تجاوز هذه المعضلة قبل التفكير في تقعيد القواعد، والسؤال الجوهري بهذا الخصوص هو: ما هي نسبة المتن المعجمي المتبقية من هذه اللهجة أو تلك من بين لهجات «تامزيغت» الثلاث؟ وهل يمكن أن تلبي حاجات المتكلم لو صُنع منها معجم ملفق؟ هل وهل...؟ إن رفع الشعارات أمر سهل ميسور على كل من يريد أن يفعل ذلك، لكن عند التنظير والتنزيل على أرض الواقع يختلف الأمر.
وعليه يمكن القول في النهاية بأنه ليس ثم إخفاق بالنسبة للظهير البربري إن تأملنا بشيء من التروي أحداث التاريخ. وليس ثم نجاح محقق للأمازيغية بعد، لا سياسيًا ولا ثقافيًا؛ لأن شيئًا ما لم يتم بالشكل المطلوب على أرض الواقع. وبناء عليه؛ فالجواب عن السؤال الجزئي الوارد ضمن عناصر السؤال السابق هو أن الخلل ليس وليد اليوم، ولا الأمس القريب، وإنما هو خلل تاريخي؛ لأن المغرب منذ الفتح الإسلامي لم يعرف سياسة تربوية شاملة تذيب الحواجز بين سكانه مع إمكان احتفاظ كل عنصر بما يميزه، إذا ما استثنينا الإسلام الذي يؤمن به الجميع على تفاوت في ذلك، ويتمثل بناء على ذلك تعاليمه في سلوكه بقدر فهمه وإيمانه، فيوجد الكل على ذلك الإيمان.
وهذه الفجوة - أي عدم صهر المغاربة تربويًا في بوتقة واحدة تزيل الفوارق الاجتماعية واللغوية بين الأمازيغ والعرب ـ هي التي استغلها الاستعمار لإحداث التفرقة بين المغاربة عن طريق ما يسمى بالظهير البربري. أضف إلى ذلك ما أصاب المغاربة من خيبة أمل في كثير من مؤملات ما بعد عهد الحماية؛ مما جعل المحرومين منهم يبحثون لأنفسهم عن متنفس؛ فهذا عن طريق الدعوة الأمازيغية، وآخر عن طريق المذهب الشيوعي الماركسي، وآخرون عن طريق الهجرات القانونية وغير القانونية إلى خارج أرض الوطن؛ بما في ذلك ما يسمى في القاموس الإعلامي المغربي عن الهجرة السرية بـ (قوارب الموت) !
فالخلل إذن تاريخي؛ إلا أن مركبًا اجتماعيًا وسياسيًا سمح لهذه الدعوات وهذه السلوكات أن تظهر بفعل العوامل المشار إليها سابقًا، وبفعل خفوت نور الإسلام في القلوب، والذي هو الرابط الوحيد الأوحد بين جميع المغاربة؛ على مستوى الفكر والواقع، كمنهج سلوكي يتعامل بمقتضى تعاليمه ـ رغم ما يشوب أفهام المتعاملين به من نقص أحيانًا ـ أفقيًا وعموديًا. ولعل عدل الإسلام ونورانية تعاليمه هو ما جعل المغاربة الأمازيغيين يقبلون بالعنصر العربي أن يشاركهم في استيطان أرض المغرب لأول مرة؛ حيث اعتقادها بالإسلام دينًا وبالله ربًا لا معبود سواه، وبالمصطفى رسولًا ونبيًا. وقد سجلوا هذه المعاني وما يشبهها في أناشيدهم وأهازيجهم التي يرددونها في شتى المناسبات.
وعليه ليست الحركة الأمازيغية إلا إفرازًا لتلك الظروف والعوامل ضمن غيرها من الإفرازات، وقد تم الاهتمام بها أكثر من غيرها؛ لأنها لصيقة بالبعد القومي الذي لا يتأتى لغيرها من الدعوات الموجودة على الساحة اعتماده، ومع ذلك تبقى الحركة الأمازيغية مجرد شعار إلى أن تحقق للمؤمن بها شيئًا على أرض الواقع، وإلا تم تجاوزها كما تتجاوز الحركات المعتمدة على الشعارات، وقد ملَّ المغاربة عمومًا والأمازيغ خصوصًا لغة الشعارات التي لا تحقق شيئًا على الواقع؛ وحالة التجارب الحزبية أكبر دليل على ذلك؛ ولذا فالرفض أو القبول رهينان بما سيترجم من شعارات على أرض الواقع؛ من أعمال إيجابية تحترم فيها المقدسات والثوابت.
وما ورد في سؤالكم من أن بعض رجالات الحركة الوطنية هم الذين يتزعمون اليوم التيار الأمازيغي، وهم الذين يرفعون مقولة (الاستعمار العربي للمغرب) ؛ فإنه يمكن القول بأن هذا يدخل في إطار بعض سلوكات السياسيين من عرب وأمازيغ، وتاريخ المغرب الحديث يحفظ لنا أكثر من دليل على ما وقع بين السياسيين من مشاحنات خطيرة تتجاوز الأقوال إلى الأسوأ!
* الدكتور عبد الرحمن حيسي: