والذي أعتقده شخصيًا أن الدعوة إلى الأمازيغية لها أسباب نابعة من واقع المجتمع المغربي ذاته، وقد تقدم بيان بعضها. أما الفرنكوفونية فهدفها نشر الثقافة الفرنسية بكل مقوماتها، وتعميمها في كل الأوساط المغربية؛ بغض النظر عن المستهدَفين بهذه الثقافة؛ سواء أكانوا من الأمازيغ أم من العرب؛ إذن فهدفها غير هدف الدعوة إلى الأمازيغية، بل تتعارض معها. وعليكم أن تعلموا أيضًا أن الحاملين للواء الفرنكوفونية والأنجلوفونية فيهم من العرب المغاربة عدد كبير! فعليكم أن تفسروا ذلك لتستقيم الإجابة عن السؤال المطروح!
( البيان ) : طبعًا لا نتحدث عن الأمازيغ، وإنما نتحدث عن التيارات السياسية الأمازيغية!
* الدكتور الحسين كنوان:
هذا موضوع خصب وخطير، تتطلب الإجابة عنه حلقة خاصة، بل أكثر من ذلك؛ لأن المسألة تتجاوز دعم اللغة الفرنسية وثقافتها؛ إلى المحافظة ما أمكن على المكاسب التوسعية للاستعمار الاقتصادي والفكري في المنطقة، والتي تعد بوابة استراتيجية لإفريقيا، تلك المكاسب التي تحققت له (أعني الاستعمار) في المنطقة بعد كل ما بذله من جهود متواصلة خلال فترة قد لا تقل عن قرنين من الزمن، كان ذلك على فترات، يصنع لكل فترة شعارها الملائم؛ انطلاقًا من الصليبية إلى الفرنكفونية بعد التمهيد لها بالغزو العسكري؛ ولذا نرى كثيرًا من أبنائنا مع الأسف قد انطلت عليهم الحيلة نتيجة تأثرهم الثقافي، وجرفهم هذا التيار أو ذاك، وهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعًا، ومع ذلك فهم معذورون إلى حد ما في تقديري.
وعليه يمكن القول بأن التيار الأمازيغي لم ينشأ مع ظهور الفرنكوفونية، وإن كانت تغذيه، وإنما وُضعت له أسس قبل ذلك بكثير؛ يوم كان الدخيل يخطط للاستفادة من خيرات المنطقة أولًا، ثم رتب تلك الخطط بإحكام لما حال هذا العنصر البشري «إمازيغن» بينه وبين مقصوده الذي هو إخضاع المناطق التي يسكنها هؤلاء لنفوذه؛ على غرار إخضاع جميع أجزاء الوطن؛ حيث أصيب بذهول من هول الكارثة التي أصابت جيوشه وتوقف زحفها لمدة عشرين سنة على يد مقاومين أشاوس من أبناء «إمازيغن» ، كما تقول بعض الأبحاث التاريخية الحديثة. ولذا تكون الفرنكفونية صياغة ظرفية للاستمرار في تطبيق ما رُسم آنذاك من خطط لإخضاع هذا النوع البشري «إمازيغن» ، بل وتقريبه والاستفادة منه.
* الأستاذ جواد بنامغار:
نعم! حينما أخفقت فرنسا في زرع التفرقة بين المغاربة من خلال ظهير 0391م المصطلح على تسميته «الظهير البربري» ، وكان غرضها من ذلك تكوين مناطق متفرنسة مفصولة عن الإسلام ولغته العربية تكون سندها في الاستعمار، ووسيلتها في السيطرة على البلاد، وتسخرها لأغراضها الاستعمارية؛ فلما لم تنجح في ذلك عمدت إلى الفرنكوفونية التي ظاهرها نشر اللغة الفرنسية ودعمها في مستعمراتها السابقة، وباطنها «الغزو الفكري» والتمكين للثقافة الفرنسية، والتصورات الفرنسية، ونمط الحياة الفرنسي الذي هو جزء من الحضارة الغربية المبنية على أسس مناقضة للإسلام، ولذلك فلا عجب أن تحتضن في هذا السياق التيارات المتطرفة، أو تحتويها وتدفع بها في اتجاه يخدم أطماعها الاستعمارية، وتحقق لها ما أخفقت فيه من تفرقة وسيطرة من خلال ظهيرها الاستعماري.
* الدكتور محمد سدرة:
في رأيي لا غرابة ولا مفارقة في دعم الفرنكوفونية للتيار الأمازيغي (الإيديولوجي) ؛ فهما رضيعان من لبن واحد، وهو الحركة الاستشراقية ذات الأهداف العدوانية على الإسلام والمسلمين؛ ففرنسا بعدما أعياها البحث عن وسائل مسخ الهوية الإسلامية في البلدان المستعمرة وفق المخطط الاستشراقي المعروف تاريخيًا؛ لجأت إلى سياسة (فرِّق تسد) ، والتي بدأت بأطروحة الظهير البربري في كل من الجزائر والمغرب، وهي ذاتها تعاليم الأطروحة التي تمارس على مستوى أطروحة الأمازيغية في بعدها (الإيديولوجي) لا الواقعي كما قلت.
( البيان ) : إذن؛ هل يمكن الحديث عن علاقة ما بين الظهير البربري الذي أصدره المقيم الفرنسي العام بالمغرب (* ) ، وبين الحركة الأمازيغية في صورتها الحديثة؟ هل هناك علاقة بين القديم والجديد، أم أن التاريخ لا يعيد نفسه؟
* الدكتور الحسين كنوان:
أود أن أسجل ـ قبل إعطاء وجهة نظري بخصوص هذا السؤال ـ الملاحظات التالية:
أ - لا بد من الاهتمام بجذور المسألة وجواهرها، لا بتجلياتها وأعراضها.
ب - لا ينبغي أن نضع الآخرين في قفص الاتهام دون تحديد المسؤولية في الظروف التي دفعتهم إلى مثل ذلك السلوك.
ج - في هذا التاريخ الذي ذكرتموه (4391م) كان الداعي إلى شق وحدة الصف بتوظيف الأمازيغية هو المقيم العام الفرنسي... والآن الذي يخدم هذه القضية بشكل أو بآخر هم أبناء المغرب، والسؤال الملح والعريض هو: لماذا؟
د - أنجب المغرب أبطالًا ومجاهدين مخلصين من الأمازيغ، حملوا راية الإسلام لنشره تارة، وحمايته من سطوة الدخيل تارة أخرى؛ فهل انقلبت الأمور، والسؤال أيضًا: لماذا؟
هـ - أشرتم في سياق هذا السؤال إلى أن الظهير البربري كان يقوم على نوعين من العزل هما: عزل الإدارة السلطانية... وعزل الشريعة الإسلامية. لقد فعل الدخيل ذلك بخبثه إداريًا وجغرافيًا؛ لكنه لم يستطع أن يحقق ذلك كل التحقيق على مستوى القلوب؛ حيث بقي الأمازيغ متشبثين بوحدتهم الوطنية، وبدينهم الحنيف، وثَمَّ شهادات حية على ذلك لا يسمح المقام بذكرها.
و - ألغى ظهيرُ 6591م الظهيرَ البربري، ولكنه مع الأسف لم يلغ بعض مظاهر هذه المرحلة؛ مما يحتج به عند البعض في إطار الحركة الأمازيغية.
أما بخصوص الجواب عن سؤالكم آنف الذكر؛ فإنه يمكن القول باختصار شديد بأن العلاقة موجودة بشكل أو بآخر بين مضمون الظهير البربري وأهدافه وبين الحركات الأمازيغية بالشكل الذي تعبر به عن نفسها، مهما كانت التفسيرات المقدمة لذلك؛ لأنها تخدم القصد بوعي منها أو بدون وعي، وليس هذا من باب اتهام دعاة الأمازيغية في وطنيتهم... ولكن فقط لأجل التنبيه إلى عدم سلامة المنطلقات الأساسية لهذه القضية وأهدافها؛ ولذا يجب على كل من يرفع شعار الأمازيغية لسد ثغرة تنظيمية يراها؛ أن يتحرى في تحديد الأهداف التي يرمي إليها، والوسائل التي يستعملها لتخليص الفكرة من شوائب المنطلقات الاستعمارية وأهدافها، وأن يحتاط من تقديم الخدمات المجانية للغير ضد بلده، وإلا وضع نفسه في قفص الاتهام طوعًا أمام المغاربة كافة عربًا وأمازيغ.
* الدكتور عبد الرحمن حيسي:
لا توجد أي علاقة بين الحركة الأمازيغية الحديثة وبين الظهير البربري الذي أصدره الاستعمار الفرنسي في 8 أبريل من سنة 4391م؛ فهذا الظهير ـ كما لا يخفى ـ كان هدفه الأساسي هو سلخ الأمازيغ عن دينهم، والتفريق بينهم وبين إخوانهم العرب لخلق جو من الفوضى والفرقة في الرأي يضمن لفرنسا الاستمرار في احتلال المغرب، وقد رفض الأمازيغ هذا الظهير يومئذ وعارضوه بشدة، وأحبطوا كل مخططات المستعمر في تنفيذه. أما الحركة الأمازيغية الحديثة فليس من أهدافها شيء مما ذُكر، وقد سبق بيان ذلك في الإجابات السابقة.
* الدكتور محمد سدرة: