هذا بالإضافة إلى انصهار الأجناس البشرية في المغرب، وتداخلها فيما بينها إلى درجة يستحيل معها أن تميز عنصرًا من الآخر؛ فالهجرات، والمصاهرات، وتنقلات الأسر من منطقة إلى أخرى لأسباب متعددة لا تترك مجالًا للقول بأن الإنسان المغربي خالص النسب إلى عنصر كذا عبر التاريخ. والحكمة الأمازيغية تقول ما ترجمته بالعربية: (قيل للثعبان: من هو أخوك؟ قال: الذي يوجد معي في الغار) ؛ أي إنها تعتبر رابطة التساكن الجغرافي فقط موجبًا للأخوة.
هذا بالنسبة للشطر الأول من سؤالكم.
أما الشطر الثاني فيبدو أن فيه شيئًا من التعميم؛ لأني لا أعتقد أن كل الحركات الأمازيغية تقول بذلك، ولا أن أفراد الفصيل الذي يقول بذلك متفقون عليه بنفس الدرجة من إيمانهم بما يقولون.
مع العلم أنه يمكن القول: إلى أي حد تمثل هذه الحركة الأمازيغية بجميع فصائلها الإنسان الأمازيغي في المغرب؟ ثم ما هي شروط الانتماء لهذا الفصيل أو ذاك من فصائل الأمازيغية؟ هل هو الأصل، أو اللغة، أو الجغرافيا؟ أو لا بد من إعلان الولاء والعداء.. هل وهل؟
صحيح أن ثَمَّ عوامل كثيرة تجعل بعض الشرائح الاجتماعية من سكان المغرب تشعر بشيء من التهميش، وبالخصوص الأمازيغ منهم؛ لأسباب متعددة، منها: غياب اهتمام العالم العربي الإسلامي بهذه اللغة وأهلها، ومنها: ما هو مبثوث في القاموس الشعبي العامي من عبارات اللمز والتحقير في حق الأمازيغ ولغتهم! وهي عبارات لا يؤبه لها حين تقال لهذا الشخص أو ذاك، ولكنها تعمل عملها في النفوس، فتدسها إلى لحظة الحاجة، عندما ينفخ نافخ في بوق الوسوسة؛ لتصير المنبه المعتمد للشعور بالإقصاء والتحقير؛ خصوصًا عندما يُربط ذكرها بمظهر من مظاهر الحرمان، كالفقر المادي، والتهميش الاجتماعي؛ مقارنة مع الآخر الذي كان الأمازيغي يسلم أنه وإياه إخوة بعامل التساكن فقط. ومن نماذج تلك العبارات العامية التي ينبغي أن يعزر مستعملوها: (الزيت ما هو إدام، والشلحة ما هي كلام) ، و (أنغ، أنغ) ... إلى آخر ذلك من عبارات التهكم والسخرية بالإنسان الأمازيغي!
والغريب أن يصدر مثل هذا أيضًا من بعض الأشخاص المثقفين الذين هم في موقع الإرشاد والتوجيه الاجتماعي أو السياسي، بل حتى الحضاري أحيانًا! والنفوس حساسة، وقد قال ـ تعالى ـ: {وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} [الحجرات: 11] .
* الدكتور محمد سدرة:
مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) هي شعار الراقصين على الجراح؛ من المخبولين في هذه الحركة، والذين يريدون جرها إلى الإلحاد والعنصرية ليس إلا!
( البيان ) : الآن ندخل في صلب موضوعنا (الحركة الأمازيغية) : من المعروف أن تفسير الحركات الاجتماعية والسياسية التي يفرزها مجتمع ما في مرحلة تاريخية ما ليس بالأمر السهل، ولا شك أن حركة الأمازيغية التي ظهرت في البلدان المغاربية؛ بوصفها حركة ذات بعد عرقي وإيديولوجي هي من هذا القبيل. ثم إن الأمازيغية بوصفها حركة سياسية أيضًا أصبحت ظاهرة متحركة في الوسط السياسي والثقافي المغربي؛ فكيف تفسرون بروز الحركة الأمازيغية بهذه الصورة التي نشاهدها اليوم؟
* الأستاذ جواد بنامغار:
تعود المراحل التأسيسية الأولى للحركة الأمازيغية إلى ما بعد الاستقلال مباشرة؛ حيث تأسست أولى الجمعيات بهذا الصدد في الستينيات من القرن المنصرم، إلا أن ظهور الحركة وانتشارها، وإعلانها عن نفسها من مختلف المنابر الثقافية، والسياسية، والإعلامية محليًا وعالميًا طغى في السنوات الأخيرة، وقد ساعد على ذلك مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية، وأخرى تتصل بعوامل خارجية إقليميًا ودوليًا.
وإذا كنا لا نشك في سعي السياسة الاستعمارية إلى السيطرة على بلدان العالم الإسلامي من خلال الغزو الفكري والثقافي؛ فإن الفرنكوفونية من تجليات هذه السياسة بالمغرب، وإن من وسائلها في ذلك احتواء الاتجاه الأمازيغي ودعمه، والدفع به في اتجاه يضر بالمصلحة الوطنية المغربية، ووحدة الشعب المغربي المبنية على الإسلام، ويخدم الأطماع الاستعمارية الفرنسية المغلفة بالفرنكوفونية.
إلا أننا في المقابل لا ننكر أن في الحركة الأمازيغية أفرادًا وجمعيات من يهتم بالأمازيغية باعتبارها قضية وطنية، وإحدى مكونات الهوية المغربية الإسلامية، وتعتني بالمطالب العادلة لها في إطار الوحدة والمرجعية الإسلامية.
* الدكتور الحسين كنوان:
للإجابة عن السؤال السابق شقان: أحدهما ـ وهو الأساس ـ: هو الجانب السياسي، وثانيهما ـ وهو وليد الأول وتابع له ـ: وهو الثقافي، ولكل منهما اعتباراته الخاصة فيما يتعلق بمعطيات الإجابة عنه؛ ولذا تنقسم الإجابة في نظري إلى قسمين:
أ - الجانب السياسي: لهذا الجانب مغذياته، وأسبابه السياسية والاجتماعية، وربما حتى النفسية التي قد تكون وليدة ظروف متعاقبة، وأسباب متضافرة نرى أن الحكمة تقتضي عدم الخوض فيها، وإلا زدنا الجرح عمقًا، والقلوب تنافرًا، في الوقت الذي يتطلب الأمر العمل على لمِّ الشمل، وتوحيد الرؤى في إطار منظومة ثقافية اجتماعية وحيدة موحدة؛ أشبه ما تكون بما أطلق عليه الرومان: «كوينتي» ؛ فكل الذين يعيشون على أرض الوطن إخوة مغاربة، وقد سبق القول بأن الحكمة الأمازيغية تعتبر رابطة التساكن الجغرافي فقط موجبًا للأخوة، والحمد لله على أن الحركة الأمازيغية سياسية وليست قومية، وإن كانت يُشم منها بعض هذه البوادر أحيانًا.
ب - الجانب الثقافي: هذا الجانب غني غنى حياة الإنسان الأمازيغي الذي تلاقحت ثقافته بثقافة الأجناس البشرية التي تعاقبت على أرض المغرب، وعلى الرغم من كون هذه الثقافة غير مدونة؛ فإن ثمة بقية بصمات منها على أرض المغرب لغويًا وجغرافيًا وسلوكيًا.
فمن الناحية اللغوية نرى أن الدراسة العلمية النزيهة السليمة يمكن أن تكشف عن قواسم مشتركة في جوانب متعددة بين اللغة العربية والأمازيغية، وقد يكون ذلك ناتجًا عن تأثر الأمازيغية بالحضارة الإسلامية العربية.
ولكل هذه الاعتبارات وغيرها كثير لا نستغرب أن تظهر حركة سياسية تعتمد الأمازيغية إطارًا ومنطلقًا لها في ظروف مهدت لتعددية سياسية؛ لتحقيق أهداف معينة قد تسمو إلى درجة النبل إذا ما كان القصد منها هو الكشف عن جانب من جوانب ثقافة المغرب وحضارته. وقد تنزل إلى الحضيض عندما تغذيها أهداف نفعية ذاتية، أو إيعازات ماكرة شريرة لا يتفطن لخبثها إلا من كان فكره مُحصَّنًا، وأوتي فهمًا ثاقبًا، وقوة فائقة في الإيمان بحب الله ثم الوطن.
* الدكتور محمد سدرة:
الأمر مرده في تقديري إلى الإخفاقات التي لحقت بالأطروحة الماركسية بالمغرب؛ بفضل أصالة الدين والتدين في نفوس المغاربة، فشكَّل هذا المنعطف مشجبًا بديلًا يود الفكر اليساري النفوذ من خلاله إلى الطبقات الشعبية التي تشكل القاعدة الخلفية للأطروحة. وقد ساهمت الإحباطات التي مني بها المجتمع، من جراء إخفاق التنظيمات السياسية في تحقيق طموحاته، في تغذية هذا التوجه وتشجيعه.
( البيان ) : المعروف أن التيار الأمازيغي قد نشأ وترعرع في ظل الدعم الفرنكوفوني؛ فكيف تفسرون ذلك؛ وخاصة أن الأهداف المعلنة للفرنكوفونية إنما هي دعم اللغة الفرنسية وثقافتها في مستعمراتها السابقة؟
* الدكتور عبد الرحمن حيسي:
السؤال ليس وجيهًا؛ لأنه يُسلِّم بأن التيار الأمازيغي نشأ وترعرع في ظل الدعم الفرنكوفوني؛ فعليكم إثبات ذلك أولًا وإبراز مظاهر الدعم التي يتلقاها الأمازيغ من الفرنكوفونيين؛ حتى لا نخرج في حوارنا عن حدود الإنصاف.