من هنا نرى أن تصريحات المسؤول الأمريكي عن شؤون القارة الإفريقية جاءت خالية من أي مشاعر إنسانية أو حضارية تتعاطف مع الوضع الصومالي، وتتضامن مع الجهد الدولي الساعي إلى إكمال عملية المصالحة في الصومال؛ لتكريس قيم العدل والحياد والوساطة والتسوية بين الصومال وإثيوبيا للقضاء على بواعث الإرهاب؛ مما يعطي انطباعًا بأن الموقف الإثيوبي المتراجع عن معطيات الاعتراف والمساندة للمصالحة الصومالية التي تجسدت بحضور رئيس وزراء إثيوبيا حفل اختتام المصالحة في جيبوتي عام 2000م، والمتحول إلى انتهاز أي مسلك سياسي وعسكري ودبلوماسي وإعلامي يؤدي إلى احتواء نتائج مؤتمر جيبوتي؛ هو موقف يستند إلى الموقف الأمريكي السلبي نحو الاعتراف بالحكومة الصومالية، ويستأنس بهذا الموقف كغطاء سياسي واقتصادي أمريكي قائم تحت شعار مواجهة الإرهاب؛ الأمر الذي بات يرفع معنويات النظام الإثيوبي، ويزيد من عزمه عندما يسمع أو يطلع على تصريحات ذلك المسؤول الداعي إلى حماية دول جوار الصومال من الإرهاب الإسلامي؛ مع أن (لغة الحماية) التي تطرب وتسعد إثيوبيا تظل منطقًا معكوسًا ومغرقًا في الإيعاز والإيحاء بتنشيط النفوذ الإثيوبي في الشأن الصومالي؛ لأن الطرف المحتاج للحماية والحصانة حقيقة من الاعتداء والإرهاب هو الطرف الصومالي لا الإثيوبي!
قلق إثيوبي من الدور الكيني في المصالحة الصومالية:
بعد أن نجحت الجمهورية الصومالية في إعادة تعزيز علاقاتها مع الجمهورية الكينية استثمارًا لمكانة الرئيس (أرب موي) السياسية والتاريخية إفريقيًا وإقليميًا، وبمعطيات مناخ الأداء الديمقراطي نسبيًا للسياسة الكينية المعارِضَة للتعاطي الإثيوبي في الشأن الصومالي، وبوجود شخصيات سياسية بارزة من أصول صومالية في مواقع مؤثرة في الرياسة والخارجية الكينيتين، وعقب قرار القمة (لمنظمة الإيجات) التي انعقدت في 1/2002م في الخرطوم، والقاضي بتكليف كينيا تولي إدارة ملف المصالحة الصومالية، وإثر الاعتراض الانعزالي الإثيوبي على اتفاق بقية أعضاء المنظمة على الاقتراح الإريتري لجعل اللغة العربية لغة رسمية للمنظمة بجانب الإنجليزية والفرنسية، بالإضافة إلى الانقسامات الجارية في صفوف ما يسمى بـ (المعارضة الصومالية) في أديس أبابا؛ استمع العالم إلى دعوة رئيس وزراء إثيوبيا للولايات المتحدة بأن تعتبر إثيوبيا شريكًا رئيسيًا لها في مكافحة الإرهاب، معلنًا بأن القرن الإفريقي لن يشهد الاستقرار ما لم تتخذ أمريكا سياسة عملية تجاه الإرهاب، وأن إثيوبيا لن تنعم بالسلام ما دام الصومال يشهد الفوضى المستمرة، ولكنه لم يمتلك مقومات الصراحة والشجاعة لكي يعترف بأن مصدر المشكلات الأمنية والسياسية في الصومال هو من أديس أبابا.
وقد فهم المراقبون في الصومال أن خطاب رئيس وزراء إثيوبيا أمام برلمان بلاده كان تعبيرًا عن القلق والانزعاج من ابتعاد ملف المصالحة الصومالية عن السيطرة الإثيوبية وانتقاله إلى جيبوتي ثم إلى كينيا، وإخفاق ما يسمى بالمعارضة الصومالية المسلحة التي تشكلت في إثيوبيا في مارس عام 2001م في إيقاف تمدد نفوذ الحكومة الصومالية وتناميها داخليًا وخارجيًا؛ لذا كان من الطبيعي - حسب قراءتنا لذهنية القادة الإثيوبيين - أن يتم تحويل نزاعاتهم مع الصوماليين والبحث عن حلٍّ لها إلى حلفائهم في الخارج، وهنا أراد رئيس وزراء إثيوبيا أن يبالغ في تضخيم وسيلة الاستقطاب لعطف الولايات المتحدة فأسرع في اغتنام الفرصة وحوَّل أزماته التي يفتعلها مع الصومال إلى موجة محاربة الإرهاب، وهو النهج نفسه الذي تمارسه إسرائيل مع الشعب الفلسطيني المناضل، والمسلك نفسه الذي تسلكه الطائرات الأمريكية والبريطانية ضد أمن العراق وسيادته؛ حيث إن الجانب الذي يرتكب جرائم الاعتداء والإرهاب هو الذي يشكو ويتظلم؛ لأنه حريص على تنفيذ استراتيجيته لإخضاع العرب في ظل غياب طموحات مماثلة لها من العالم العربي تستجيب لهذه التحديات.
في المقابلة التي أجرتها الإذاعة البريطانية (القسم الصومالي) مع رئيس الوزراء (حسن أبشر) أدان منطق إثيوبيا العدواني؛ مؤكدًا أن النظام الإثيوبي مُصِرٌّ على تنفيذ سياسة القضاء على الدولة الصومالية كليًا، وحينما سأله المذيع عن كيفية القضاء على الدولة؟ أجاب السيد حسن أبشر بأن النظام الإثيوبي منهمك جدًا في عملية التفكيك الجغرافي والسياسي للصومال باستعمال القوة العسكرية، وعن طريق ترويج أسماء الكنتونات الإقليمية مثل (صومال لاند، وبونت لاند، وباي لاند، وجود لاند) التي صنعتها، وتوسيع هذه العملية لتشمل بقية الجغرافية الصومالية، ولم ينس السيد حسن أبشر أن يذكِّر الزعامة الإثيوبية المعروف والدعم الذي قدمه الصومال للمناضل الإثيوبي، وأشار رئيس وزراء الصومال إلى أن الورقة الإثيوبية المقدمة إلى مؤتمر المصالحة الصومالية في نيروبي تدعو إلى تجاوز رئاسة الرئيس عبد القاسم صلاد؛ إمعانًا في الرغبة في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل انعقاد مؤتمر جيبوتي.
والمحللون الصوماليون الذين لم تستوقفهم كثيرًا تصريحات (حسين عيديد) للقسم الصومالي في الإذاعة البريطانية في الأيام نفسها، والتي يقترح فيها ضم 6 ملايين صومالي يعيشون في (الأوجادين) وفي منطقة (انفدي) في كينيا لقيام الصومال الكبرى؛ ما ترددوا في فهم مغزى تصريحات (حسين عيديد) في أنه ينفذ مخططًا إثيوبيًا؛ وخاصة عندما تطوع (حسين عيديد) نفسه وادعى أن تصريحاته جاءت في إطار قيام اتحاد فيدرالي موسع لجميع دول القرن الإفريقي وشعوبه يلغي عروبة الصومال، حسب أقواله المنشورة في مجلة (المجلة) بتاريخ 3/3/2002م.
وهذا مؤشر إضافي يوضح مدى الاختراق السياسي والأخلاقي الذي سجله النظام الإثيوبي في الفكر السياسي لدعاة المعارضة؛ لكي يسهموا في دعم مؤامرة إلغاء عقيدة الصومال وعروبته؛ لقاء وعود كاذبة يعدهم بها النظام الإثيوبي لإيصالهم إلى كرسي الرئاسة.
وحينما يوظف النظام الإثيوبي طاقاته العسكرية والسياسية والإعلامية في سبيل تسريع عملية التفكيك السياسي والجغرافي في الصومال؛ فإنه لا يهدف إلى مواجهة خطر إرهابي قادم من الصومال يهدد الأمن الداخلي الإثيوبي، وإنما يهدف إلى بعد استراتيجي أبعد مدى وأوثق ارتباطًا بقضية الصراع الحضاري المصيرية، وأقوى مداعبة في عقول ضباطه؛ إذ يتذكر الصوماليون تصريحات الكولونيل (تسفاي) الموجود في مدينة (بيداوا) ، والذي عبر عن نيات إثيوبيا الدفينة حينما شدد في تصريحه في 4/ 2001م على أن النظام الإثيوبي لن يسمح بقيام دولة عربية إسلامية في الصومال.