وفي الحديث الصحفي الذي أدلى به رئيس إثيوبيا (زيناوي) لوكالة رويتر في 19/2/2002م أشار إلى وجود أدلة عنده تثبت علاقة الحكومة الصومالية بـ «الاتحاد الإسلامي» ، كما أن من بين ثلاثة خبراء شكَّلهم مجلس الشيوخ الأمريكي لدراسة الوضع الصومالي، وتقديم المقترحات والآراء حول كيفية التعامل مع هذا الوضع - لم يتبن وجهة النظر الإثيوبية إلا السفير السابق لأمريكا في أديس أبابا (ديفيد شين) اليهودي الأصل، والذي ذكر في مقترحاته أن «الاتحاد الإسلامي الصومالي» يسعى إلى تحقيق هدفين هما: إقامة دولة إسلامية في الصومال، وتحرير أوجادين من إثيوبيا، والملاحظ أنه لم يأت بجديد؛ لأن كلا الأمرين لا يزالان مطلبين قوميين تاريخيين لعموم الصوماليين وليسا بفكر سياسي خاص بفئة صومالية معينة، كما أن رجال الدين في كل من إثيوبيا وأمريكا يعملون لتقوية أنظمتهم السياسية الوطنية مع توحيد كلمة الدولة النصرانية؛ لمواجهة التحديات التي من شأنها أن تهدد رسالة الكنائس العالمية!
وعلى صعيد آخر؛ فإن النظام الإثيوبي يريد أن يتجاهل أن جذور الأزمة الصومالية الإثيوبية تنبع من الغزو الصليبي، والذي توسع على حساب الوطن الصومالي في نهاية القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين لإقامة الدولة المسيحية الكبرى في القرن الإفريقي؛ وذلك بمؤازرة الدول النصرانية الاستعمارية ومساعدتها في ذلك الزمن، مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وبناءً عليه فلا يمكن أن يعتبر تاريخ «الاتحاد الإسلامي الوطني الصومالي» الذي يعمل في خندق الدفاع عن حقوقه الدينية والقومية السياسية قوة إرهابية بمجرد أنه يحمل عنوانًا إسلاميًا، ويُبرَّأ في الوقت نفسه التاريخ والأعمال والأفكار الاستعمارية الإرهابية التي خربت الديار الصومالية، ولا تزال تسعى إلى تفتيت الوحدة الصومالية.
ثم أين الإثم والانحراف إذا أقامت الحكومة الصومالية علاقات مع قوة إسلامية وطنية صومالية، في حين تعتز الزعامة الإثيوبية بعقيدتها النصرانية وترفض في طول تاريخها ظهور صورة مسجد في قنواتها التلفزيوينة تأكيدًا لدور الكنيسة، وتعتبر الزعامة الإثيوبية أيضًا تراب مدينة (أكسيوم) أرضًا مقدسة لا يدخلها المسلم حسب المعلومات الشائعة المتوفرة لدى القوميات الإثيوبية؟! وهل هناك إرهاب وإهانة وإذلال أقوى وأخطر من حرمان القوميات الإسلامية من الحياة الكريمة، وتركهم يواجهون المجاعات المزمنة المهلكة نتيجة غياب وسائل التطور العلمي والزراعي والصحي عن أقاليمهم؟!
إن كثرة الصراخ الإعلامي، وكلمات الخداع الإثيوبية للرأي العام العالمي التي تعطي صورة مفزعة لقوة وجود التيار الأصولي في الصومال تعكس حقيقة واحدة؛ هي أن النظام الإثيوبي اكتشف أن التحدي الإسلامي والوطني في كل من (بوصاصو، ومقديشو) والجنوب لن يسمح لهذا النظام بتنفيذ استراتيجيته الرامية إلى تغيير هوية الصومال، وتحويله إلى محمية تابعة له لا هوية لها ولا عقيدة ولا عروبة ولا حضارة ولا كرامة.
إن الفاصل في المعادلة بين إثيوبيا الهادفة إلى تأمين أطراف خريطة الإمبراطورية، وبين الصومال الباحث عن تعزيز سيادته وتكملة أجزاء أقاليمه؛ هو الحياد الإيجابي لموقف أمريكي متوازن في علاقاته مع مقديشو وأديس أبابا يتفهم وضع المجتمع الصومالي، ويدعم الجهود العربية الإفريقية لإنقاذ هذا المجتمع وانتشاله من مخلفات ركام الحروب الأهلية، كما تفعله الولايات المتحدة مع إثيوبيا التي تحصل على المنح المالية والهبات والمعونات الاقتصادية، والدعم العسكري والسياسي والإعلامي؛ حتى يطمئن الصوماليون ويتأكدوا من عدم وجود انحياز أمريكي لإثيوبيا من منطلق ديني متعصب بناءً على ادعائها بأنها - أي أمريكا - تؤمن بالديمقراطية؛ وتحترم الشرعية الدولية، وتطبق النزاهة في نظام علاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع العالم.
وفي هذا السياق؛ فإن ما ورد في آراء ومقترحات الخبيرين (روبرت ماكفرسون، والدكتور كين مانج هوس) في 20/2/2002م في شهادتهما للحكومة الأمريكية بأن الصومال ليس كأفغانستان، وليس فيه مخدرات، وبأن المطلوب هو إقناع الناس في الصومال برعاية مصالحهم، ومساعدة الوسائل الإعلامية، وتنشيط الحياة التجارية، والتعامل مع تجار الحيوانات لتوسيع تجارتهم، وأنه تنبغي ملاحظة أن هناك صراعًا عربيًا إثيوبيًا على الصومال - حسب شهادتهما -؛ بمعنى أن إثيوبيا تسعى إلى إبعاد العرب عن الصومال؛ ما ورد في شهادة هذين الخبيرين حول التعامل مع الصومال كان اتجاهًا إيجابيًا يتناقض تمامًا مع دعوات إثيوبيا ومن يؤيدها من الأمريكيين لضرب الصومال، والتي ينطلق فيها الإثيوبيون من اعتقادهم أن النكسات السياسية التي هددت مقومات الإنسان الصومالي منذ الحكم الماركسي، وما تلاها من حروب أهلية ومجاعات مدمرة ومواجهات مع القوات الأمريكية عام 1993م؛ لم تؤد إلى تفريغ الإنسان الصومالي من مضمونه الإسلامي، ولا تقليص ثوابته التاريخية في وجدانه؛ الأمر الذي بات يشكل مصدر إحباط وإزعاج للنظام الإثيوبي؛ حسب تصريحات لكل من رئيس وزراء إثيوبيا، وعبد المجيد حسين لوكالة الأنباء (رويتر) في نهاية فبراير 2002م.
والإصرار الإثيوبي على استعداء أمريكا على الصومال لتغيير هويته يوحي بأن الزعامة الإثيوبية بحاجة إلى من يذكرها ويحاسبها لتراجع محطات صراعها مع الصوماليين، ولتعلم أن الإثيوبيين هم الذين أرهبوا الصوماليين وعملوا على تجزئة الخريطة الصومالية وتقسيم سكان الصومال.
إن قراءتنا للمنظور الاستراتيجي الإثيوبي الموجه إلى الصومال والسودان وجيبوتي تعطينا انطباعًا بأن النظام الإثيوبي يرى أن المسافة الفاصلة بينه وبين تحوُّله إلى قوة إقليمية تخيف البلدان العربية المذكورة، ولا تهاب من مصر ولا من ليبيا؛ أخذت في التقلص والانكماش ما دامت دول (منظمة الإيجات) قد اعتمدت على مشروعية تقرير مصير الجنوب؛ ليفسح له المجال أمام الانفصال سلمًا أو عنوة لطي البعد الجغرافي الإفريقي للخريطة السوادنية، مع اقتناص كل فرصة لإضعاف الصومال وإثارة كل ذريعة لإخراجه من هويته العربية الإسلامية؛ مما يجعل الهم الأول للصوماليين اليوم هو إسقاط الاستراتيجية الإثيوبية والصمود للدفاع عن هويته العربية الإسلامية؛ إذ إن انبعاث النهضة العربية الإسلامية وانتشار معطياتها بين الشباب يظل أمضى الأسلحة الطبيعية القادرة على كسر الهجمة الإثيوبية الظالمة ضد الصومال، فليس هناك إرهاب أخطر من إرهاب احتلال الأرض الصومالية، واستباحة السيادة الوطنية، واستهداف الهوية الحضارية.