أما (الوطنية) بمفهومها المعروف اليوم، المحصور في قطعة أرض رسم حدودها أعداؤنا، أو الارتباط بعرق أو لون أو جنس، فهذا مفهوم دخيل لم يعرفه السلف ولا الخلف، وإنما طرأ علينا ضمن ركام المفاهيم المخربة التي زرعها الاستعمار وأذنابه لمزاحمة الانتماء الإسلامي، وتوهين الهوية المسلمة التي أذابت قوميات الأمم التي فتحتها في قومية واحدة هي: (القومية الإسلامية) ، ودمجتها في أمة التوحيد.
ولخطر هذه القضية أسوق شهادة (شاهدين من أهلها: أولهما: المؤرخ اليهودي(برنارد لويس) الذي قال: (كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ بدء دعوة النبي، وكيف انتصر النبي وصحبه، وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديانات الوثنية لعرب الجاهلية، وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى، ولكنها ليست ضد اللات والعزى وبقية آلهة الجاهليين، بل ضد مجموعة جديدة من الأصنام؛ اسمها: الدولة، والعنصر، والقومية، وفي هذه المرة يظهر أن النصر حتى الآن هو حليف الأصنام، فإدخال هرطقة القومية العلمانية، أو عبادة الذات الجماعية؛ كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط، ولكنها مع كل ذلك كانت أقل المظالم ذكرًا وإعلانًا...) ا.هـ.
ويقرر حقيقة ناصعة فيقول: (فالليبرالية، والفاشية، والوطنية، والقومية، والشيوعية، والاشتراكية، كلها أوروبية الأصل مهما أقلمها وعدّلها أتباعها في الشرق الأوسط، والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب المنطقة، وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة، وبالرغم من أن كل الحركات الإسلامية قد هزمت حتى الآن، غير أنها لم تقل بعدُ كلمتها الأخيرة) .
أما الشاهد الثاني فهو وزير المستعمرات الإنكليزي (أورمسبي جو) الذي يقول في وثيقة تاريخية: (إننا في السودان ونيجيريا ومصر ودول إسلامية أخرى، شجعنا ـ وكنا على صواب ـ نمو القوميات المحلية، فهي أقل خطرًا من الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي) ا.هـ.
* يقال: إن أزمة الهوية أزمة عالمية.
فإلى أي مدى بلغت؟.. ومتى بدأت إسلاميًا؟ وما هي أجلى مظاهرها؟
* أ/ جمال سلطان:
أزمة الهوية أزمة عالمية، ففرنسا مثلًا ترى أن الأمركة خطر داهم يهدد أمنها القومي، والفرنسيون في فزع شديد من هذا الخطر الداهم.. هذا رغم أن كلا الطرفين تشملهما قاعدة التجانس الديني والحضاري والسلوكي والقيمي؛ إلا أن هذا لم يمنع فرنسا من استشعار الخطر من الأمركة. إذن فنحن ـ من باب أوْلى ينبغي ـ أن نكون أشد فزعًا من غيرنا. وبالمناسبة فإن فرنسا من أكثر الدول الغربية خوفًا على هويتها، ومن بين مخاوفها الشديدة الغزو الثقافي الإسلامي؛ لذلك حظرت دخول عدد كبير من الكتب الإسلامية إلى أراضيها، كما حظرت امتلاك الدش في بعض ضواحي باريس ذات الوجود الإسلامي والعربي، لتمنع الجاليات الإسلامية والعربية من استقبال البث العربي، والذي يوجد قدرًا من الحاجز النفسي والثقافي الذي يحول دون ذوبان الجاليات في المجتمع هناك، هذا رغم ما وصل إليه الإعلام العربي من إسفاف!
وفي أماكن أخرى من العالم يحذر الباحثون من خطر الأزمة التي تعانيها الهوية في بلادهم، كما في الصين واليابان وفي كثير من البلدان الإفريقية.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
لعلنا نذكر الصراع السياسي الذي احتدم في كندا حول مقاطعة (كويبك) بين المتحدثين بالإنكليزية، وبين المتحدثين بالفرنسية الذين يريدون الاستقلال بهذه المقاطعة.
ونذكر أيضًا أن فرنسا رفضت التوقيع على الجزء الثقافي من اتفاقية (الجات) ، والذي يضمن للمواد الثقافية الأمريكية، أن تباع بفرنسا بمعدلات اعتبرها الفرنسيون تهديدًا صارخًا لهويتهم القومية، وطالبوا بتخفيض هذه المعدلات.
ومتى بدأت الأزمة إسلاميًا؟
* د/جمال عبد الهادي:
في الواقع أن الأمر سار في خط تاريخي، في محاولات لإفساد الهوية الإسلامية، كمدخل لتنحية الأمة عن مركز القيادة.
أما محاولات الإفساد فقد بدأت منذ فتنة السبئية ـ منذ عهد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وكيف أن عبد الله بن سبأ بدأ يدس دسائسه التي تبلورت وتطورت في شكل عقيدة باطنية.
أما الانحراف عن الهوية فيمكن توقيت بدايته بترجمة الفلسفة اليونانية على عهد المأمون، وما ترتب على ذلك من ظهور كثير من الفرق كالمعتزلة والجهمية، وفرق من الباطنية كإخوان الصفا، وما ترتب على ذلك من فساد في العقائد، وظهور علمي الكلام والمنطق، حتى أصبحا هما القالب الذي تُقدّم فيه العقائد الإسلامية إلى اليوم.
أما بداية الأزمة الفعلية حديثًا.. فقد كانت مع الاحتلال الفرنسي لمصر وحملة نابليون. وقد كان من أسباب هذه الغزوة ما رصده لويس التاسع، عندما وقع أسيرًا بدار ابن لقمان، بالمنصورة؛ إذ أدرك بعد التمحيص والتدقيق أن سبب إخفاق الغزو الصليبي للعالم الإسلامي إنما يرجع إلى عدة أمور كان أبرزها: احتفاظ العالم الإسلامي بهويته الإسلامية، وما ترتب على ذلك من وحدته، وإحياء فريضة الجهاد والتصدي للغزو، وتوصل (لويس التاسع) إلى أن الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، لن تنجح إلا إذا واكبها غزوة فكرية تستهدف إفساد العقائد والأخلاق، من خلال إفساد برامج التعليم لإفساد الدين واللغة، والعبث بالتاريخ، وإفساد المرأة لتحطيم بناء المجتمع!
* د/مصطفى حلمي:
كما ذكر الدكتور جمال ـ جزاه الله خيرًا ـ فإن الأزمة بدأت مع دخول نابليون بمدفعه ومطبعته إلى مصر، وتحويلها من مركز بث إسلامي إلى منطقة متفرنجة، وبهذا بدأت عملية من الغزو المنظم المدروس الذي يمهد لإخفاء الهوية تدريجيًا، أي أن الهوية أصبحت على خريطة الأهداف.
لكن الفرنسيين سرعان ما خرجوا ليكمل الإنجليز الدور، وينجح القس (دنلوب) في قلب ميزان التعليم وإقامته على الفصل بين الدين والحياة، لتتخرج أجيال متغربة من المثقفين ـ بينها وبين هويتها حواجز نفسية!
ويشبه ما جرى في مصر، ما فعلته فرنسا في الجزائر، وجاءت أمريكا بعد ذلك لتكمل مسار الأزمة بمنظومتها الخداعة.
وإذا اختصرنا فيمكن القول: إن الأزمة الحديثة بدأت بالاستعمار الغربي الحديث للبلاد الإسلامية لا سيما الإنجليزي والفرنسي منه.
كانت الأزمة إلى حد الاحتلال الإنجليزي لمصر تعتبر إقليمية، ولكن نقطة التحول أو الانقلاب القوي في خط الهوية تمثلت في إسقاط الخلافة الإسلامية على يد أتاتورك؛ لأن الخلافة كانت تعبر عن رابطة قائمة على الإسلام تظلل الجميع، وكانوا يحسبون لها كل حساب.. فنجد إنجلترا تتوسل إلى الخليفة العثماني بكل السبل حتى لا يعلن الجهاد عليها في الهند، لذعرها من فكرة الجهاد، وهذه نقطة ينبغي أن تُجَلّى جيدًا أمام الأجيال، نظرًا لما يجري من تشويه صورة الخلافة العثمانية من خلال التعليم؛ لأن من يعود إلى المراجع الموثقة يرى حجم الزيف الذي يقدم لنا. والأمر العجيب أن اليهود كانوا يدركون قيمة الخلافة العثمانية أكثر منا، فقد قرأت في بروتوكولاتهم عبارة تقول: (الوصول إلى القدس لا بد أن يمر بالقسطنطينية) !! وفعلوها.. وكانت ضربة في سويداء القلب!!.
* أ/جمال سلطان:
أريد أن أركز في الكلام السابق على بعض التطورات التي لم تسبق بمثلها من قبل:
ـ فحملة نابليون جاءت معها بمطبعة!!
ـ وكان أول بيان وزعه نابليون يخاطب فيه المصريين يقول إنه يحترم النبي لله، وإنه يحب الكعبة، وإنه جاء ليحررهم من ظلم المماليك!