فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 719

ولذلك كلّف الله ـ تعالى ـ هذه الأمة، بدعوة جميع البشر إلى الهوية الإسلامية، وهي في هذه الوظيفة المقدسة نائبة عن رسول الله لله.

5-إنها هوية تستوعب كل مظاهر الشخصية، وتحدد لصاحبها بكل دقة ووضوح، هدفه ووظيفته وغاياته في الحياة: (( قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ )) [الأنعام: 162،163] .

6-إنها مصدر العزة والكرامة للمتمسكين بها، كما قال ـ تعالى ـ: (( لَقَدْ أَنزَلْنَا إلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [الأنبياء:10] .

وقال ـ تعالى ـ: (( ... وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ) [المنافقون:8] .

وهذا ما استشعره عمر ـ رضي الله عنه ـ حين قال: (إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العزّ في غيره أذلنا الله) .

7-وهي هوية متميزة عما عداها: (( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) ) [الكافرون: 6] ، ولكي يبقى هذا التميز ثابتًا في كل حين، أوجب الله علينا أن ندعوه في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة ـ على الأقل ـ أن يهدينا الصراط المستقيم، المغاير بالضرورة لمنهج الآخرين: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أََنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ )) [الفاتحة: 6، 7] .

وقد حسم النبي لله ذلك بقوله: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا) (3) ، وقد عرف اليهود ذلك، وشعروا أنه لله كان يتحرى أن يخالفهم في كل شؤونهم الخاصة بهم، حتى قال قائلهم: (ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه) (4) ولهذا قال لله: (من تشبه بقوم فهو منهم) (5) وقد صح كثير من الأحاديث التي تفصّل هذه المخالفة وتحض عليها، في كثير من أبواب الدين.

* أ/جمال سلطان:

إضافة بسيطة إلى ما ذكر في هذا الجانب.. وهي أن: من السمات التي تميزت بها الهوية الإسلامية لفظ (الأمة) الذي يطلق على جميع المنضوين تحتها، هذا اللفظ بما يحويه من دلالات وإيحاءات لم تعرفه لغة من لغات الأرض قاطبة سوى لغة هذه الأمة.

* مع هذا التميز الذي ترسخه الهوية نجد ظاهرة عكسية داخل المجتمع الواحد؛ هي ظاهرة (الاغتراب) التي تهدد الهوية من الخلف.

كيف نفهم هذه الظاهرة في إطار ها الصحيح؟ وماذا عن مخاطرها؟

* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

كلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع، كلما تعمق إحساسه بالانتماء لذلك المجتمع واعتزازه به وانتصاره له.

أما إذا تصادمتا فهنا تقع أزمة الاغتراب التي أشار إليها رسول الله لله حين قال: (طوبى للغرباء) ، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: (ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) .

ولأن الانتماء الوجداني والانتساب إلى (الهوية) ينبع عن إرادة النفس، فهي قابلة له، راضية عنه، معتزة به، فإن هذا الانتماء هو الزمام الذي يملك النفس، ويحدد أهداف صاحب الهوية، ويرتب أولياته في الحياة، فتنصبغ النفس به، وتندمج فيه، وتنتصر له، وتوالي وتعادي فيه، مع رفض الانتساب إلى أي هوية مضادة أو مزاحمة، أي أن هذا التفاعل النفسي ينتج عنه بناء حواجز نفسية بين الشخص وبين من يخالفونه الهوية؛ ومن هنا تنشأ الأزمة.

* أ/جمال سلطان:

الأقليات غالبًا ما تعيش حالة من القلق والنفور، بالنسبة للجماعة؛ لشعورها بالاغتراب، وأنها خارج كيان الجماعة، ولهذا الأمر تداعياته، التي من أخطرها، توجه الأقلية نحو الخارج، وشعورها بالتقارب النفسي مع أعداء الأغلبية، والتحالف معهم ضد مصالح الأغلبية، كما فعل الموارنة ـ في لبنان ـ الذين تحالفوا مع الغرب ضد المسلمين، وكما فعل الأرمن الذين تحالفوا مع روسيا ضد المسلمين، ويهود الدونمة في تركيا الذين تحالفوا مع الغرب لإسقاط الخلافة.

والخطر الآن يتجسد في أن بعضًا من هذه الأقليات بدأت تنتعش لتعارض المصالح العامة داخل بعض نظم الحكم القائمة.

* إشكالية أخرى تواجهنا عند تحديد المفهوم الدقيق للهوية الإسلامية؛ ألا وهي: طبيعة العلاقة بين الهوية الإسلامية وبين الهوية الوطنية أو القومية.

هل هي علاقة التعارض أم التكامل؟

* د/جمال عبد الهادي:

يمكن تقسيم دوائر الهويات إلى ثلاث دوائر متباينة أحيانًا، ومتداخلة أحيانًا أخرى، وهي: الانتماء الجغرافي، والانتماء العرقي، والانتماء الديني. والانتماءان الأولان هما المذكوران في قوله ـ تعالى ـ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) [الحجرات: 13] .، والإسلام ـ بهذا ـ أقرّ بهما دون أن يكون لأحدهما استعلاءٌ عنصري، وذلك كله منصهر داخل الرابطة العقدية (رابطة الإسلام) الذي صنع للأمة أسلوب حياتها ونظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لذلك فإن من أبرز ما يميز هويتنا أن مرجعياتها لا تفرق بين الأجناس أو الأعراق، وهذا يعكس قوة الوحدة السياسية المبنية على أساس عقدي واحد هو الإسلام.

* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

الهوية الإسلامية لا تعارض الشعور الفطري بحب الوطن الذي ينتمي إليه المسلم، ولا الحرص على خير هذا الوطن، بل المسلمون الصادقون هم أصدق الناس وطنية؛ لأنهم يريدون لوطنهم سعادة الدنيا والآخرة بتطبيق الإسلام، وتبني عقيدته، وإنقاذ مواطنيهم من النار، وحمايتهم من التبعية لأعدائهم الذين لا يألونهم خبالًا، وقد تجلى هذا المفهوم واضحًا في قصة مؤمن آل فرعون في سورة غافر، ويتجلى في عصرنا في مواقف وجهاد وصمود رموز الدعوة الإسلامية في كافة وطننا الإسلامي.

أما الوطن الحقيقي الخالد، الذي لا يبغي أهله عنه حولًا فهو الجنة؛ حيث أقام أبوانا في الابتداء، ونحن في الدنيا منفيون عن هذا الوطن، ساعون في العودة إليه.

والمنهج الإسلامي هو الخريطة التي ترسم لنا طريق العودة إلى ذلك الوطن. كما أعرب عن ذلك الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ بقوله:

فحيّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيّمُ

ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلمُ؟

لا كما قال من سفه نفسه:

وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي

أما في الدنيا.. فأحب الأوطان إلى قلب المؤمن: (مكة المكرمة) ، و (المدينة النبوية) ، و (بيت المقدس) ، وقد بيّن النبي لله أن محبته مكة المكرمة مبنية على أنها (أحب بلاد الله إلى الله) .

فمحبتنا لهذه البقاع التي شرفها الله وباركها وأحبها فوق محبتنا لمسقط الرأس، ومحضن الطفولة، ومرتع الشباب.

أما ما عدا هذه البلاد المقدسة، فإن الإسلام هو وطننا وأهلنا وعشيرتنا، وحيثما كانت شريعة الإسلام حاكمة وكلمة الله ظاهرة.. فثم وطننا الحبيب الذي نفديه بالنفس والنفيس، ونذود عنه بالدم والولد والمال:

ولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا الشام فيه ووادي النيل سيان

وحيثما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت