بنظرة مجردة فإن مقومات الشخصية التي تميزها عن غيرها، هي المفردات التي تتحكم في تشكيل تلك الشخصية، ومنها المتكرر في جميع الهويات، ومنها غير المتكرر. ولعل القدر المشترك يتمثل في:
ـ العقيدة التي ينطلق منها الفرد بغض النظر عن صحتها، ويقابلها في النظريات الوضعية الفكر الفلسفي.
ـ القيم العالية المطلقة التي يؤمن بها المجتمع؛ التي تتمثل في أهداف الإنسان في الحياة ونظرته للوجود، والأخلاقيات، والسلوكيات؛ وعلى ضوء ذلك نرى تميز الهوية الإسلامية في مقوماتها من حيث الشكل والمضمون.
* وحتى يتبلور مفهوم الهوية أكثر؛ فإننا نريد أن نتعرف على أهم مقومات الهوية التي تتشكل من خلالها.
* أ/جمال سلطان:
هوية أي أمة عبارة عن تراكم المعارف والثقافات، والتجارب والصراعات، والأفكار والمؤلفات والكتابات، كل هذا المزيج يشكل المرجعية الأساسية لهويات الشعوب.
بخلاف هويتنا التي تتميز بمرجعيتها الربانية الثابتة الصحيحة، والمحفوظة أبدًا، والتي تتمثل في الوحي بمصدريه، وبهذا تميزت الأمة عن سائر الشعوب والأمم.
ومن حيث العموم فإنها تتكون من مجموعة من الدوائر المتداخلة، والتي يؤثر فيها اعتبارات متعددة، لعل أبرزها الجغرافيا والتاريخ والدين، هذه المؤثرات الثلاث، هي أبرز ما يؤثر في الإنسان وينشط من خلاله إنسانيًا، إلى جانب المجال الحضاري ببعديه التاريخي والثقافي، وتراكماته، والتي ورثتها الأجيال عن الأجيال وجعلت هناك صبغة لهذه الشخصية.
* الشيخ/محمد بن إسماعيل:
أهم أركان الهوية: العقيدة، ثم التاريخ، واللغة، وإذا ركزنا الحديث على الهوية الإسلامية فسوف نجد أنها مستوفية لكل مقومات الهوية الذاتية المستقلة، بحيث تستغني تمامًا عن أي (لقاح) أجنبي عنها.
فهي هوية خصبة تنبثق عن عقيدة صحيحة، وأصول ثابتة رصينة، تجمع وتوحد تحت لوائها جميع المنتسبين إليها، وتملك رصيدًا تاريخيًا عملاقًا لا تملكه أمة من الأمم، وتتكلم لغة عربية واحدة، وتشغل بقعة جغرافية متصلة ومتشابكة وممتدة، وتحيا لهدف واحد؛ هو إعلاء كلمة الله، وتعبيد العباد لربهم، وتحريرهم من عبودية الأنداد.
* من خلال كلامنا عن المقومات، يلح علينا أمر يحتاج أن نستفصل عنه لأهميته؛ ألا وهو جوانب تميز الهوية الإسلامية عن سائر الهويات.
* د/مصطفى حلمي:
عنصر مهم تتميز به هويتنا الإسلامية، هو نظرتها للإنسان باعتبار أن الفرد هو عنصر البناء الأخطر والأهم في أي حضارة. فبينما نجد أن (أرسطو (في منطقه اليوناني يعرفه بأنه:(حيوان ناطق) ، هذا التعريف قد بنيت عليه أكثر النظريات التي تناولت الجوانب الإنسانية، والذي قامت عليه الحضارة اليونانية قديمًا والغربية حديثًا.
وخلافًا لهؤلاء، نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قد وفق في تعريفه للإنسان بأنه: (حي حساس متحرك بالإرادة) ، أثناء معركته لحماية الأمة الإسلامية من الغزو الثقافي اليوناني. وقد وقف اليوم الموقف نفسه علي عزت بيجوفيتش الذي استمد تعريفه للإنسان من عقيدته، لمواجهة الغزو الثقافي المعاصر، الذي عانى منه المسلمون في الغرب أشد المعاناة، في دول البلقان في ظل النظام الشيوعي.
يقول بيجوفيتش: (إن الإنسان بصفة أساسية هو عنصر روحي، وليس عنصرًا بيولوجيًا أو اجتماعيًا، ولا يمكن أن يوجد إلا بفعل الخلق الإلهي) ، معترضًا على (دارون) ، و (دي لامارك) ، اللذين اعتبرا الإنسان ليس أكثر من (حيوان ذكيّ) ، وبهذا التعريف نقف على مفرق طريق بين هوية كل من الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
إضافة إلى ما ذكره الأستاذ الدكتور مصطفى ـ جزاه الله خيرًا ـ يمكن أن نجمل السمات المميزة لهويتنا في عدة نقاط:
1-فهي في المقام الأول: انتماء للعقيدة يُترجَم إلى مظاهر دالة على الولاء لها، والالتزام بمقتضياتها. والعقيدة الإسلامية التوحيدية هي أهم الثوابت في هوية المسلم وشخصيته.
2-هذه الهوية..أشرف وأعلى وأسمى هوية يمكن أن يتصف بها إنسان؛ فقد استجمعت غايات الشرف، فهي انتماء إلى أكمل دين، وأشرف كتاب.. نزل على أشرف رسول.. إلى أشرف أمة.. بأشرف لغة.. بسفارة أشرف الملائكة.. في أشرف بقاع الأرض.. في أشرف شهور السنة... في أشرف لياليه، وهي ليلة القدر.. بأشرف شريعة وأقوم هدي.
3-وقد امتدح القرآن الكريم هذه الهوية وأثنى عليها باعتبارات، منها:
ـ أنها أحسن قولًا، وأحسن عملًا، وأحسن قضيةً، وأحسن نسبة، قال ـ تعالى ـ: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ) ) (فصلت: 33) .
ـ وهي الهوية الكاملة المرضية من الله ـ تعالى ـ: (( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا... ) ) [المائدة: 3] .
ـ وهي صبغة الله، قال ـ عز وجل ـ: (( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أََحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) ) [البقرة: 138] .
ـ ومن خصائصها الوسطية في كل شيء كما في قوله: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا... ) ) [البقرة: 143] .
ـ والانتساب إليها انتساب إلى خير أمة، كما قال ـ تعالى ـ: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تًَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ ) ) [آل عمران: 110] ؛ ولذلك كان بعض المجاهدين الفلسطينيين يواجه (كاهانا) ، ويرد عليه مصححًا مزاعمه: (نحن شعب الله المختار) .
إن الهوية الإسلامية انتماء إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى رسول الله لله، وإلى عباد الله الصالحين، وأوليائه المتقين، من كانوا، ومتى كانوا، وأين كانوا؛ قال ـ تعالى ـ: (( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ )) [المائدة: 55، 56] .
وقال ـ سبحانه ـ: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ... ) ) [التوبة: 71] .
وكل مسلم في صلاته يقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) .
يقول الشاعر:
ومما زادني شرفًا وفخرًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيًا
4-إن الانضواء تحت هذه الهوية والاندماج فيها، ليس اختياريًا ولا مستحبًا، ولكنه فرض متعين على كل بني آدم المكلفين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال ـ عز وجل ـ: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ) [الأعراف:158] .
وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله لله: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (2) .