( الثورة الإسلامية في لبنان ) هذه العبارة هي آخر ما تقرؤه على علم ( حزب الله ) في لبنان . والثورة بهذا الوصف محاولة استنساخ للثورة الأم في قم وكلتاهما ثورة آيات ، أي أن العلم الديني الإمامي هو أساس التصور والحركة ؛ فالثورة - بحسب المعلن - ثورة دينية: إمامها فقيه ، رئيسها فقيه ، وزيرها فقيه ؛ فالمثال الذي ينبغي وضعه نصب العين هو إرادة الفقهاء ، ولهذا فقد كان للحوزات والحسينيات دور هام في غرس مفاهيم التقديس ، وفي إمداد الثورة بالوقود البشري .
الملالي .. ومدارج المعالي:
مع نهاية الغيبة الصغرى المدَّعاة للمهدي وجد علماء الشيعة أنفسهم في حيرة شديدة ؛ وذلك خوفًا من انكشاف حقيقة أمر الغيبة والمهدي ودعاوى أخرى كثيرة لا تمتُّ إلى الحق بسند ولا نسب ، فأخرجوا مرسومًا منسوبًا إلى مهديهم الغائب يقول فيه: أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ؛ فإنهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله . ثم أتبعوه بمرسوم آخر يقول فيه: أما من الفقهاء من كان صائنًا لنفسه ، حافظًا لدينه ، مخالفًا لهواه ، مطيعًا مولاه فللعوام أن يقلدوه [7] .
ولهذا فقد وَسِعَ إمامهم المعاصر أن يقول: إن الفقهاء ( هم الحجة على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم حجة عليهم ، وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك ، وعلى كلٍ فقد فوَّض الله إليهم جميع ما فوض إلى( الأنبياء ) وائتمنهم على ما ائتمنوا عليه ) [8] .
( فإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا ) [9] .
وقد نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وعلماء أمتي كالأنبياء السابقين ) [10] بل إنه لم يجد حَرَجًا في أن يقول: ( الفقيه الرافضي بمنزلة موسى وعيسى ) [11] ! !
ولهذا لم يكن مستغربًا أن يقول أحد المسؤولين الإيرانيين: إن الخميني أعظم من النبي موسى وهارون [12] . وترتفع وتيرة التجاوزات في إعطاء الصلاحيات لفقهاء المذهب حين كتب آية الله آزاري قمي يقول: ليس لدى الولي الفقيه أية مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم الإسلامي ، حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتًا عن الصلاة والصيام والحج .. أو حتى الإيمان بالتوحيد ! ! [13] .
ويستمر التضليل بمحاولة الإقناع أن الفقهاء لا دخل لهم في وظائفهم وخصائصهم ؛ بل إن ( الفقهاء معينون ضمنًا من قِبَل الله ) [14] وبذلك تكون سلطة الفقيه سلطة إلهية .
وبهذه المراسيم والقوانين والتحذيرات والتهديدات أصبحت سلطة الفقهاء فوق كل السلطات ولا تخضع لأي سلطة كانت ، وكما يقول الخميني: وإذا كان السلاطين على جانب من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في أعمالهم وأحكامهم عن الفقهاء ، وفي هذه الحالة ، فالحكام الحقيقيون هم الفقهاء ، ويكون السلاطين مجرد عمال لهم [15] .
ولم يخرج محمد حسين فضل الله عن هذا الخط الساخن الرافع أقدار الفقهاء إلى منازل النبيين .
حيث يقول: إن رأي الفقيه هو الرأي الذي يعطي الأشياء شرعية بصفته نائبًا عن الإمام ، والإمام هو نائب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ، فالإمام هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، والفقيه العادل هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم [16] .
والواقع أن شرعية كل الأمور تنطلق من إمضاء الفقيه لها ، وهذا يعني أن رئيس الجمهورية لا يستمد سلطانه من الشريعة الإسلامية ، أو الدولة الإسلامية - من انتخاب الناس له - وإنما من إمضاء الفقيه لرئاسته ، والأمر ذاته يطبق بالنسبة للنواب في مجلس الشورى والخبراء في مجلس الخبراء وغيرها من المؤسسات الدستورية في الدولة [17] .
وقد حرصت السياسة الإيرانية على الاستحواذ الكامل على إعداد (رجال الدين الشيعة) في لبنان ، كما حرصت على إيلائهم دورًا متصدرًا في الساحة اللبنانية ؛ فهؤلاء وحدهم الذين يُضمَنُ ولاؤهم للقيادة الإيرانية ولسياستها ، كما يَظهرون بأنهم القادرون وحدهم على صبغ المجتمع الشيعي اللبناني بصبغة عميقة تحصنه من التأثيرات المخالفة للنفوذ الإيراني والمنافسة له . وتتوسل طهران وقم بالتعليم الديني لتأطير الاجتماع الشيعي اللبناني تأطيرًا متينًا ، فتحل نخب ثقافية جديدة محل النخب المدنية التي تدين بعقائد سياسية أخرى ، كما حدث بإحلال ( حزب الله ) محل (أمل ) .
وبهذا فقد تحقق نجاح كبير في إنجاز أحد أكبر الأهداف ، وهو تأطير ( الأمة) الشيعية بسياج الآيات وتجييشها تحت قيادة واحدة ؛ وعليه فلا عجب أن نرى قوافل متوالية من الشباب الشيعي يضحون بأنفسهم في سبيل طاعة الفقهاء ، وهذه الطاعة والسيطرة المطلقة كانت نتيجة لجهد كبير بذله الفقهاء على مر التاريخ الإمامي . يقول د . موسى الموسوي معللًا كيفية سيطرة الفقهاء الشيعة على الأمة الإمامية: لقد استغلّت الزعامات المذهبية والفقهاء عبر التاريخ - ومنذ أن بدأت تُحكِم علينا الطوق - سذاجتنا - نحن الشيعة الإمامية - وحبَّنا الجارف لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأحدثت في مذهبنا بدعًا وتجاويف وتجاعيد كل واحدة منها تخدم مصالحهم ، وفي الوقت نفسه تضر بنا بل تنسفنا نسفًا . إن كل واحدة من هذه البدع أُدخلت في عقيدتنا - نحن الشيعة الإمامية - لإحكام طوق العبودية علينا والتحكم فينا كما يشاء الفقهاء ؛ إذن السذاجة وحدها لم تلعب الدور الكافي ، بل استغلال الفقهاء حبَّ الشيعة لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضافًا إليه البدع التي أحدثوها في العقيدة جعلت من الشيعة أداة طيعة للفقهاء ، يضحون في سبيل مآربهم في ساحات الوغى مرة وفي ساحات البلاء مرة أخرى ، ولم يكن الفقهاء وحدهم هم الذين لعبوا هذا الدور الخطير في انحراف الشيعة عن نهجها الصحيح القويم المتمثل في تبعيتهم لفقه الإمام الصادق ، بل كان للفقهاء أجنحة أخرى استمدّوا قوتهم منها وهم الرواة ورجال الحديث والمفسرون الذين نسبوا إلى أئمتنا الكرام - زورًا وبهتانًا - روايات وأحاديث كلها تؤيد البدع والتجاويف والتجاعيد التي أدخلوها في العقيدة الشيعية لصالحهم ، وتفسير الآيات القرآنية حسب أهوائهم بصورة تخدم أهواء الفقهاء ، وبهذين الجناحين استطاع الفقهاء أن يحكموا قيود الاستغلال والاستبداد على أعناق الشيعة عبر التاريخ . كان فقهاؤنا على علم كامل بالنفسية الشيعية التي كانت مهيأة للخضوع إلى ما يُطلب منها في عهد الظلام ؛ فنصبوا أنفسهم أولياء وأوصياء عليهم .