فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 719

وأعتقد جازمًا أن فقهاءنا لم يقصدوا من استعبادنا - نحن الشيعة الإمامية - بالسيطرة الروحية والفكرية علينا فحسب ، بل كانوا يخططون لأمرين كل واحد منهما أخطر من الآخر: كانوا يخططون للسيطرة على أموال الشيعة ، ومن ثم الاستيلاء على مقاليد الحكم . فأدخل الفقهاء تلك البدعة الكبرى في العقيدة الشيعية ، وفسروا الآية الكريمة التي تقول:"واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ..." [ الأنفال: 41 ] ، بأن هذه الآية نزلت في أرباح المكاسب في حين أن المفسرين وأرباب الأحاديث والفقهاء أجمعوا على أنها نزلت في غنائم الحرب ولا علاقة لها بأرباح المكاسب ، ثم أفتوا بوجوب تسليم هذا الخمس إلى يد الفقهاء ، وأضافوا أن الشيعة إذا لم تسلِّم خمس أرباحها إلى يد المجتهد أو الفقيه فإن صلاتهم باطلة وصومهم باطل وحجهم باطل ... وهكذا دواليك ، وخضعت الشيعة المسكينة إلى هذه الفتوى التي ما أنزل الله بها من سلطان . وها هم عبر التاريخ يقدمون إلى الفقهاء خُمس أرباح مكاسبهم ، ولم يحدث قط أن نفرًا منهم قد سأل هؤلاء الشركاء الذين لا يشاركون الشيعة في رأس المال ولا في التعب والكد والجهد ؛ بل يشاركونهم في الأرباح فقط: من الذي جعلكم شركاء في أرباحنا ؟ وما الأدلة التي تستندون عليها ؟ ولماذا نكدح ونكافح نحن ، وأنتم قاعدون تجنون ثمار تعبنا ؟

لقد خضعت الشيعة لهذه الضريبة الجائرة بلا سؤال ولا ضجر ، فاحتلبهم الفقهاء كما تُحتلب الناقة الطيعة .

ولم يقنع الفقهاء بمشاركتهم في أرباح الشيعة ، بل زعموا أنهم ولاة عليهم يجب إطاعتهم ، ومن خرج عليهم فقد خرج على الله ، ومن رد عليهم فهو كالراد على الله يجب قتله وقمعه من الوجود . فخضع كثير من الشيعة لهذه الفاجعة الفكرية وقبلوها وآمنوا بها وضحوا بأنفسهم وأولادهم في سبيل هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم السلطة الإلهية وبدون أن يساندهم دليل أو يقف معهم برهان ؛ بل إن الذي يدَّعونه لا يتناقض مع عقيدة التوحيد والشريعة الإلهية فحسب ، بل يتناقض مع مبادئ العقل والبدهيات الأولية ، حقاًّ إنه من الأمور المحزنة أن تواجه الشيعة محنة فكرية كهذه ، وكثير منهم يؤمنون بها ، ويتفانون في سبيلها [18] .

لا عزاء للملة .. ولا للملالي:

قام النائب الشيعي الجنوبي رشيد بيضون يصيح في جلسة البرلمان اللبناني في 11-5-1944م ، مطالبًا بمنح الطائفة الشيعية حقوقها قائلًا: امنحوها حقها في الوظائف ، وفي العلوم والمعارف ، مدوا الطرقات وسهلوا المواصلات في أرجائها المحرومة ، عززوا فلاحيها وعمالها ، تعهدوها بالعناية اللازمة انظروا إليها نظرة احترام كما تنظرون إلى غيرها [19] . كانت هذه الحال وصفًا لواقع الحياة الشيعية السياسية في ذلك الوقت ، أما في الجانب التعليمي ، فبالرغم من هذا الإحكام الشديد لطوق السيطرة الدينية الشيعية على الناس ، إلا أن الوضع الديني والاجتماعي والتعليمي بلغ في لبنان وضعًا مزريًا ، ( فهذه القرى العاملية لا يُذكر فيها اسم الله - تعالى - في ليل ولا نهار ، ولا فرق عند أهلها بين رمضان وشوال ، أما مكانة عالم الدين فانحطت إلى أسفل الدركات: فهذا يموت جوعًا ولا يشعر به إنسان ، وذاك تتهجم السفهاء على كرامته ، فلا يجد ناصرًا ولا معينًا ، وآخر يتحزب للبيك والنائب ليأكل الرغيف ) [20] ، وقد دفعت هذه الحال الحاج سليمان البزي - أحد وجهاء الجنوب - إلى الشيخ محمد حسين الكاظمي - أشهر علماء العرب في العراق وقتها - يطلب أحد اثنين: السيد إسماعيل الصدر ، أو السيد مهدي الحكيم ، وقَبِلَ الحكيم المجيء على أن يُرسَلَ له مئتا ليرة عثمانية ذهبًا .

كما عزف أبناء علماء كبار أمثال: محسن الأمين ، وعبد الحسين شرف الدين وغيرهم عن طلب العلم الإمامي ، بل وقد خلع بعضهم العمامة ولم يكمل العلم الشرعي وانصرف لغيره .

ولا يُخفي جواد مغنية مرارته حين يقول: إن ثلة من خيرة الشباب العاملي قضوا في طلب العلم والدين سنوات طوالًا ، وبعد أن اجتمعت لهم الشروط تحولوا عنه مغتبطين حين وجدوا الفرصة للتحرر والانطلاق ، هذه الظاهرة آيات بينات على عدم الثقة بمصير العلم ورجال الدين [21] .

وكان طالب العلم في النجف يقيم مدة تؤهله لإصلاح إحدى القارات الخمس ، فإذا عاد إلى بلده لم يحصل له من المال ما يتناوله حارس أو موظف بريد ، فانحطت مكانة عالم الدين الاجتماعية والأدبية انحطاطًا ذريعًا ، حتى لقد أخذ بعضهم على أهل جبل عامل ضنهم على العالم بالرغيف [22] ! !

وقد تسببت هذه الحال في حسرة ومرارة شديدة لدى الشيعة ؛ حيث مثلت هذه الحال حائطًا كبيرًا أمام تحقيق الأحلام المنشودة ، ولهذا يقول وضاح شرارة: ولا شك أن انصراف طلبة العلم الديني الإمامي إلى غيره وإحجام وَلَدِ من استووا أعلامًا على التشيع - ليس في جبل عامل أو لبنان وحده ؛ بل في العالم العربي والإسلامي"الشيعي"كله - عن اقتفاء سنة آبائهم ، ظهر ذلك بمظهر تنكب تاريخ برمته ، ولما كانت الجماعة العاملية التي جرى مثقفوها من علماء وأفندية وأساتذة على تسميتها بـ ( الأمة ) أناطت بتشيعها وببلائها وبلاء علمائها في حفظ التشيع ورعايته واستمرارها واستقلالها ، وقع انقطاع المنقطعين عن طلب العلم النجفي عليها وعلى مثقفيها وقوعًا قاسيًا وأليمًا [23] .

وقد كان من أسباب اضمحلال التعليم الإمامي في لبنان والعزوف عنه أنه كان يؤخذ على جامعة النجف - إضافة إلى البعد المكاني - انزواؤها وانكفاؤها ، وبعدها عن العالم المحيط بها ومشكلاته وقضاياه ، وإذ تركها من تركها منهم أقبل على السياسة وعلى الحياة السياسية إقبال النهم ، وباشرها كتابة ودعاوى وتظاهرًا وتنظيمًا ، أما من لم يتركها فقدم الدعوة إلى الإصلاح . واعتبر بعضهم أن أصل البلاء: هو عجز العلماء عن مماشاة العصر ، وقال: ( تطورت الحياة وجمدنا ، وتكلم العصر وخرسنا ، إن على العالم أن يتصل بجميع طبقات الشعب اتصالًا وثيقًا ويحيط بأحوالها مباشرة ، ويسير بحسب التطور مع المحافظة على الدين الحقيقي ) [24] .

وبهذا فقد تمثلت المأساة الإمامية في لبنان في أمور عدة نوجزها بالآتي:

1 -غياب القيادة الدينية التي تمثل مرجعية واعية لتحقيق أحلام الطائفة .

2 -انكفاء العلم الإمامي على نفسه وعدم مواكبته لمتطلبات العصر .

3 -انحطاط مكانة العلم والعلماء بين عامة الناس وخواصهم .

4 -بُعد المدارس الدينية الشيعية الكبرى التي يتطلب شدُّ الرحال إليها والتحصيلُ العلمي منها مبالغَ مالية كبيرة ، وهو ما لم يكن في مستطاع الكثير من الناس وقتها .

5 -انصراف أبناء العائلات الدينية الكبيرة والمشتهرة بأنها ( بيوت علم ودين) عن طلب العلم الإمامي .

وهكذا اكتملت صورة المأساة للواقع الشيعي في لبنان ، ولكن مع نهاية منتصف هذا القرن الميلادي كانت هناك بدايات جديدة لحياة جديدة .

التثوير قبل الثورة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت