فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 719

وهذا هو شأن معظم النظم العلمانية التي تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة فأنظمة الحكم القائمة الآن في العالم الإسلامي، أنظمة علمانية مقتبسة من النظم الغربية القائمة على مبدأ فصل الدين عن الدولة... وهذا المبدأ يعتبر خروجًا صريحًا على مبدأ معلوم من الدين بالضرورة، وبالنصوص القطعية في الكتاب والسنة وإجماع العلماء كافة، وهو عموم رسالة الإسلام لأمور الدين وشؤون الحياة، وأن الإسلام منهاج حياة كامل ينظم سائر شؤون المسلمين في دنياهم.

وإذن فقد بلغت الأنظمة العلمانية أقصى صور عدم الشرعية بعدولها عن حكم الله وتعدليها في أحكامه، وإبقائها على قوانين الكفر والشرك... القوانين الوضعية... التي تبيح ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله.

إن انعدام شرعية الأنظمة العلمانية التي تقوم على فصل الدين عن الدولة، والتحاكم إلى إرادة الأمة بدلًا من الكتاب والسنة... إن انعدام شريعة هذه الأنظمة هو بديهية من البديهات... وموقف المسلم منها يتحدد في عبارة واحدة.

إنه يرفض هذه الأنظمة... ويرفض الاعتراف لها بأي شرعية.

(4) لأنها طريق التخلف والتبعية

[الكاتب: محمد محمد بدري]

ونحن نرفض العلمانية لأنها...

طريق التخلف والتبعية...

حين نقول للناس إن العلمانية هي طريق التخلف والتبعية، وأننا إذا أردنا التقدم والريادة، بل وقيادة البشرية جميعًا، فلا بد لنا من رفض العلمانية رفضًا مبدئيًا، وقبول الإسلام قبولًا مبدئيًا... حين نقول للناس ذلك... يفتح كثير من الناس أفواههم من العجب... وينكر كثيرون.

فعند بعض القوم أن طريق التقدم والريادة هو محاربة الفقهر والجهل والمرض. هو النباء الاقتصادي المتين. هو إزالة التخلف الحضاري والمادي والتكنولوجي... هو إصلاح الأخلاق المنهارة: الكذب والنفاق، والغش والإهمال، وموت الضمير واللامبالاة... هو إزالة الفرقة وتوحيد الصف وتغليب المصلحة العامة... هو... وهو... وهو...

ونحن نقول: نعم لكل هذا، فكله إصلاح، وكله مطلوب... ولكن كيف السبيل؟ لقد جربنا خلال قرن كامل من الزمان أن نصلح هذا كله، وفتحنا المدراس، وأنشأنا المصانع، وسلّحنا الجيوش... و... و...

فماذا حدث؟

زادت مشاكلنا كلها حدة، وزادت أزماتنا كلها تعقيدًا. وزدنا ضعفًا وهوانًا على الناس. ولم تعد الأمم وحدها هي التي تتداعى علينا كما يتداعى الأكلة إلى قصعتهم... وإنما صار شذاذ الآفاق، الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة من اليهود، هم أول المتداعين إلى القصعة، وأول الناهشين في الأموال والأعراض والدماء... وما حدث ذلك إلا لوجود الزعامات العلمانية التي تجعل القرآن عضين وتجزئه وتمزقه، فتأخذ منه ما تشاء، وتدع ما لا يتفق مع أهوائها.

هذه الزعامات التي تولت زمام السلطة في ديار الإسلام في أعقاب رحيل الاستعمار العسكري المباشر على أراضي المسلمين، فقامت تعمل بجد واجتهاد على تذويب مجمتعات الإسلام في الغرب، وبذلت الجهود الخفية والمعلنة لعزل الإسلام عن الحياة، وإقامة هذه الحياة على المذهب العلماني... فصل الدين عن الدولة.

ربما يقول قائل: وما علاقة العلمانية بتخلفنا الحضاري والمادي والعلمي والتكنولوجي؟ وما علاقة العلمانية بأخلاقنا المنهارة من كذب ونفاق وغش وإهمال، وتقاعس وموت ضمير وعدم مبالاة؟

ونحن قبل أن نجيب... نسأل: ما هو المقياس الذي نرجع إليه لقياس مدى تخلف الأمة؟

لا شك أن هذا القياس هو القرآن والسنة، لأنه مرجع المسلمين في كل أمر من أمور حياتهم... ولا شك أنه كلما اقتربنا من القرآن والسنة فنحن (متقدمون) عقيديًا وبالتالي (سلوكيًا) ... وكلما تأخرنا عن القرآن والسنة، فنحن متخلفون في مجال العقيدة وبالتالي في مجال السلوك.

وماذا تعني العلمانية؟

أليست تعني فصل الدين عن الدولة، وإقامة الحياة على غير الدين، وتنحية شريعة الله عن الحكم؟

إذن العلمانية هي أقصى درجات التخلف العقيدي، والتي تنشأ منه كل ألوان التخلف الأخرى... التخلف العلمي، والتخلف الاقتصادي، والتخلف الحربي، والتخلف الفكري والثقافي.

يقول البعض من العلمانيين: دعونا بالله من حديث العقيدة... تعالوا ننظر إلى الواقع... تعالوا إلى ملايين الأفواه المفتوحة والمعدات الجائعة... ابحثوا معنا عن حلول عملية للمشاكل الاقتصادية التي يعانيها العالم الإسلامي في تخلفه المزري وفقره المدقع وكثرة سكانه وقلة موارده.

ونقول: نعم... ابحثوا... ما زلتم تبحثون منذ قرن كامل أو يزيد فبأي شيء خرجتم؟

أما نحن فنؤكد أن أي جهد يبذل في سبيل الخروج مما نحن فيه دون رد الناس إلى المنهج الرباني، سيظل كالأناء المملوء بالثقوب، كلما حاولنا ملأه عاد إلى الفراغ.

كيف لا ونحن نترك الطريق الصحيح لتحقيق التقدم وهو منهاج الله الذي ارتضاه لحكم الحياة، ونلهث وراء الرأسمالية تارة، والماركسية تارة، والاشتراكية تارة... ونرفض أن نفهم أن هذه الأيدلوجيات الجاهلية تعجز عن الخروج بالأمة من التخلف، وأنها في الحقيقة سراب خادع.

إن العلمانية لم تحل مشاكل الأمة، بل زادت هذه المشاكل تعقيدًا وحدةً، فضلًا عن المزيد من الهوان والذل والضياع والتخلف... وإنها لحماقة أن يستزيد الإنسان من السم ويتوهم أنه مقبل على الشفاء... ولذلك فلا بد من رفض هذا السم... رفض العلمانية... التي هي السبب الأول في التخلف.

والعلمانية كما قلنا آنفًا هي تخلف عقيدي، بل هي أقصى درجات التخلف العقيدي وهذا التخلف العقيدي يؤدي إلى تخلف اقتصادي، والتخلف الاقتصادي يؤدي إلى الفقر والاحتياج، والاحتياج يؤدي إلى التبعية... وفي ظل التبعية تزداد المشاكل تعقيدًا وتهبط عملات البلاد إلى الحضيض، وتثقل الديون، ويزداد الجوع والاحتياج، وهذا الاحتياج يولد التبعية مرة أخرى... وهكذا تدور الأمة في حلقة مفرغة، وتصبح كالذي يخرج من حفرة ليقع في أكبر منها... حتى يقع في الحفرة التي ليس منها خلاص!

فهل نظل نقبل العلمانية حتى نقع في هذه الحفرة التي لا خلاص منها، أم نرفض هذه العلمانية لننقذ أمتنا من التخلف والتبعية، ونخرج بها إلى التقدم والريادة؟

(5) لأنها حكم الأراذل والعملاء

[الكاتب: محمد محمد بدري]

ونحن نرفض العلمانية لأنها...

حكم الأراذل والعملاء...

لكل أمة من الأمم ثوابت تعد هي القاعدة الأساسية لبناء الأمة، وفي طليعة هذه الثوابت تأتي الهوية باعتبارها التي تتمركز حوله بقية الثوابت، والذي يستقطب حوله أفراد الأمة... فأي أمة هي بنيان يتجمع فيه الأفراد حول"هوية"ثابتة، فإذا فقدت الهوية، تفككت الأمة وضاع الأفراد... بل وماتت الأمة وأصبحت مطمعًا للآخرين، وتداعى عليها الأعداء.

والتاريخ يثبت أن أية أمة من الأمم تنطلق في دربها الحضاري من مجموعة الأفكار التي تمثل هويتها... بل إن أية أمة لا توصف بأنها أمة إلا إذا كانت ذات"هوية"واضحة ومتميزة...

فماذا فعلت العلمانية بهوية أمتنا؟

لقد جاءت العلمانية بتنحية شرعية الله عن الحياة، فألقت الأمة وراء الحاجز الذي ظلت قرونًا طويلة تستند إليه لتحافظ على هويتها كأمة.

وجاءت العلمانية بإثارة النعرات القومية، فلم يصبح الإسلام هو أساس الولاء والبراء وإنما أصبح الجنس أو الوطن هو أساس الموالاة والمعاداة، فتفرقت الأمة، ولم يصبح الإسلام هو المهيمن على توجيه حركتها... وبذلك جردت الأمة من (هويتها) الإسلامية، وطرحت عليها الهوية الوطنية كبديل لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت