فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 719

وهذا هو ما قاله الشيخ عبد العزيز بن باز في معرِض رده على القوميين، حيث قال: (الوجه الرابع من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال أن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعية تخالف حكم القرآن حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم بذلك كما سلف وهذا هو الفساد العظيم والكفر المستبين والردة السافرة) .

وكيف لا وهذه الأحكام الوضعية تحل ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله، وتبيح انتهاك الأعراض وإفساد العقول، وتهلك الحرث والنسل حتى أصبحت المادة القانونية: إذا زنت البكر برضاها فلا شيء عليها أحفظ لأمن المجتمع عند هؤلاء العلمانيين من قول الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بها رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ... وأصبحت تصاريح فتح الخمارات والملاهي والمواخير والبنوك الربوية أصلح للمجتمع عند العلمانيين من الأخذ بقول الله عز وجل: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} ... وقوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} .

إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، وهي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة... وليس هذا رأيًا لنا نبديه، أو رأيًا لعالم أو مفسر أو مجتهد من الفقهاء ننقل عنه، إنما هو النص الذي لا مجال فيه للتأويل، والحكم المعلوم من الدين بالضرورة... قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون} ... فالعلمانية التي تحكم بغير ما أنزل الله ليست معصية، بل هي كفر بواح... وقبول الكفر والرضا به كفر... ولذلك فلا بد لنا من رفض العلمانية لنبقى في دين الله، ونحقق لأنفسنا صفة الإسلام

(3) لأنها تفتقد الشرعية

[الكاتب: محمد محمد بدري]

ونحن نرفض العلمانية لأنها...

تفتقد الشرعية...

أكثر البلاد الإسلامية لا تحكم بشريعة الله، ولكن يحكمها أناس يحملون أسماء إسلامية، ويستعرضون أنفسهم بين الحين والحين في صلاة أو عمرة أو حج، فتتوهم الجماهير أن لهم (شرعية) رغم أنهم لا يحكمون بما أنزل الله... فهل الحاكم إذا أبطل شريعة الله كاملة، واستعاض عنها بالشرائع الجاهلية... هل تكون له شرعية؟

وهل يكون له على الرعية حق السمع والطاعة؟

وهل إذا قام نظام دولة على الإقرار بحق التشريع المطلق لغير الله، وحمل الأمة على التحاكم إلى غير ما أنزل الله.

هل تكون لهذا النظام شرعية؟

بادئ ذي بدء نقول إنه من المتفق عليه بين العلماء إن الإمام ما دام قائمًا بواجباته الملقاة على عاتقه، مالكًا القدرة على الاستمرار في تدبير شؤون رعيته عادلًا بينهم، فإن له على الرعية حق السمع والطاعة.

ولكن هذا الحق في السمع والطاعة يكون في حدود طاعته هو لله ورسوله، فإن عطّل شرع الله، فقد خرج من طاعة الله والرسول، ولم تصبح له طاعة على الناس، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] ، وظاهر من البناء اللغوي للآية أن الطاعة لله مطلقة، كذلك الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ليست كذلك الطاعة لأولي الأمر... ولو قال تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم لوجبت طاعتهم مطلقًا كطاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم.

ولكن الله جل شأنه لم يقل ذلك، وإنما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله والرسول بدون تكرار الأمر {أطيعوا} ، لتظل طاعتهم مقرونة دائمًا بحدود ما أنزل الله، فشرط الطاعة أن يكون ولي الأمر {منكم} أي من الذين آمنوا، ولكي يكون ذلك فلا بد أن يرد الأمر عند التنازع {إلى الله} أي كتاب الله {وإلى الرسول} أي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فقال: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله) [رواه البخاري] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أمر عليكم عبد مجدع أو قال أسود يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا وأطيعوا) [رواه مسلم] .

فهذه الأحاديث واضحة الدلالة على أنه يشترط للسمع والطاعة أن يقود الإمام رعيته بكتاب الله، أما إذا لم يُحَكّم فيهم شرع الله فهذا لا سمع له ولا طاعة، وهذا يقتضي عزله، وهذا في صورة الحكم بغير ما أنزل الله المفسقة، أما المكفرة فهي توجب عزله ولو بالمقاتلة، وعليه فمن أجاز اتباع شريعة غير شريعة الإسلام وجب خلعه، وانحلت بيعته، وحرمت طاعته، لأنه في مثل هذا الحال يستحق وصف الكفر، والكفر هو أعظم الأسباب الموجبة لعزل الإمام، وخلعه عن تدبير أمور المسلمين.

وقد انعقد إجماع العلماء على أن الأمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه إذا طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته.

وبناء على ذلك فإن ولي الأمر الذي يتصرف في شريعة الله بالإبطال أو التعديل أو الاستبدال... لا تكون له شرعية، لأنه فقد شرط توليه الذي يعطيه شرعية تولي الأمر وهو تطبيق شريعة الله، أي سياسة الدنيا بالدين.

وإذن فالحكام الذين يسوسون الدنيا بغير الدين، ويقيمون منهاج الحكم على المبدأ العلماني... فصل الدين عن الدولة هؤلاء الحكام ليس لهم شرعية، ولا تجب على الرعية طاعتهم، بل الواجب على المسلم معاداتهم وبغضهم وعدم مناصرتهم بقول أو فعل.

هذا من ناحية شرعية الحاكم... أما من ناحية شرعية الوضع، أو ما يمكن أن نطلق عليه شرعية النظام فنقول: يعتقد كثير من الناس أن الأوضاع القائمة في معظم أرجاء العالم الإسلامي هي أوضاع إسلامية، ولكنها ينقصها تكملة هي تحكيم شريعة الله... وفي الحقيقة إن هذا الفهم غير صحيح، فتحكيم الشريعة ليس تكملة لأصل إسلامي موجود بالفعل ولكنه تأسيس لذلك الأصل بمعنى أن الأوضاع لا تكون إسلامية إلا إذا حكمت شريعة الله، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت، ويسلموا تسليما} ... فأول صفات الدولة الإسلامية التي يجب طاعتها وتحرم معاداتها هي أن يكون الحكم الحقيقي فيها من حيث التشريع والتكوين لله وحده... وأن لا يكون فيها قانون خاص أو عام يخالف الكتاب والسنة، وأن لا يصدر أي أمر إداري يخالف التشريع الإلهي... وأن لا ترتكز الدولة في قيامها على أساس إقليمي أو عرقي.

ذلك أن الدولة الإسلامية تقوم على الإسلام والانتساب للشرع، بمعنى أنها ترجع إلى أصول الإسلام وليس إلى أصول الكفر، مثل فصل الدين عن الدولة، أو نعرات القومية.

فإذا قام نظام دولة على مبدأ إلغاء الشريعة الإسلامية والإقرار بحق التشريع المطلق لبشر من دون الله، والتحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله كان هذا النظام باطلًا، ولا تجب طاعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت