وأما الربا فهو عماد الاقتصاد العلماني، تؤسس عليه البنوك، وتقدم به القروض، بل ويدخل الناس فيه كرهًا... ومن شاء فليراجع [المواد: 226، 233] من القانون المدني المصري، والتي تنص على الفوائد والقواعد المتعلقة بها فتحل ما حرم الله بقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ... وهذه الآية نزلت في أهل الطائف لما دخلوا الإسلام والتزموا الصلاة والصيام لكن امتنعوا من ترك الربا فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا... فإذا كان هؤلاء محاربين لله ورسوله فكيف بمن يقيمون للربا بنوكًا ويعطون للتعامل به الشرعية الكاملة؟
وأما الخمر فإن النظم العلمانية تبيح شربها، وتفتح المحلات لبيعها وشرائها والتجارة بها، وتجعلها مالًا متقومًا يَحْرم إهداره، بل إن النظم العلمانية تنشئ المصانع لإنتاج الخمور وتعطي على الاجتهاد في إنتاجها جوائز إنتاج، وبالتالي فهي تبيح تصديرها واستيرادها، وعقد الصفقات للتجارة بها، وتحرّم على الأطراف المتعاقدة عدم الالتزام بنصوص العقد أو عدم مطابقتها للمواصفات المتعاقد عليها... هكذا كأي سلعة تدخل في نظام التغذية!
وإذن فالعلمانية تحل شرب الخمر وبيعها وعصرها... فتحل ما حرم الله، وتحرم إهدارها والإنكار على شاربها وعدم الوفاء بالالتزام التعاقدي عليها... فهي تحرم ما أحله الله.
فالعلمانية تحل ما حرم الله، وتحرم ما أحله الله... وليس هذا في الزنا والربا والخمر فقط، أو في الحدود والتعاذير فقط، أو في مادة أو أكثر من مواد القانون الوضعي العلماني... بل إن قضية تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحله الله هي قضية النظام القانوني العلماني بأكمله، وبجميع جوانبه المختلفة.
ولما كان تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله...كفرًا لمن فعله، ومن قبله... فلا بد لنا لنبقى مسلمين من رفض الكفر... ورفض شريعة الكفر... ورفض العلمانية التي تقوم على هذه الشريعة.
[10] قانون العقوبات المصري مواد 267، 279، وقانون العقوبات العقوبات العراقي المواد 232، 240
[11] شرح قانون العقوبات محمود نجيب حسني، مجلة نادي القضاة 1981
(2) لأنها كفر بواح
[الكاتب: محمد محمد بدري]
ونحن نرفض العلمانية لأنها...
كفر بواح...
العلمانية كما أوضحنا هي قيام الحياة على غير الدين، أو فصل الدين عن الدولة، وهذا يعني بداهة الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شريعته سبحانه، وقبول الحكم والتشريع من غير الله... لذلك فالعلمانية هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء وإيثار أحاكم غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في الشريعة، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة.
وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان ولعلل وأسباب انقضت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها.
وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت القوانين والأحكام التي تعلوا أغلب ديار الإسلام هي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وحتى ما فيها من قوانين لا تخالف الإسلام فإن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوربا ولمبادئها وقواعدها وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه.
وقد وضع الأمام الشافعي قاعدة جليلة دقيقة في نحو هذا ولكنه لم يضعها في الذين يشرعون القوانين عن مصادر غير إسلامية، فقد كانت بلاد الإسلام إذ ذاك برئية من هذا العار، ولكنه وضعها في المجتهدين العلماء من المسلمين الذين يستنبطون الأحكام قبل أن يتثبتوا مما ورد في الكتاب والسنة، ويقيسون ويجتهدون برأيهم على غير أساس صحيح، حتى ولو وافق الصواب حيث يقول: ومن تكلف ما جهل، وما لم تثبت له معرفته كانت موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة والله أعلم، وكان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه.
وإذا كان هذا هو حكم المجتهد في الفقه الإسلامي على غير أساس من معرفة، وعن غير تثبت من أدلة الكتاب والسنة حتى ولو أصاب، فلا شك أن هؤلاء الذين يشرعون من دون الله. مخطئون إذا أصابوا، ومجرمون إذا أخطأوا، لأنهم أصابوا عن غير طريق الصواب إذ لم يضعوا الكتاب والسنة نصب أعينهم، بل أعرضوا عنها ابتغاء مرضاة غير الله.
بل إن هؤلاء الذين يشرعون من دون الله قد وقعوا في نوع من أنواع الكفر الأكبر وهو كفر التشريع من دون الله، قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} [المائدة: 50] .
يقول ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية: (ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلا ما سواه من الآراء والأهواء التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجاهلات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) .
أرأيت أخي المسلم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير في القرن الثامن، لذلك القانون الوضعي الذي وضعه عدو الإسلام جنكيزخان؟ ألا ترى هذا الوصف ينطبق على القانون الوضعي الذي يضعه العلمانيون الذين يشرعون للناس من دون الله؟ إلا في وصف واحد وفرق واحد أشرنا إليه سابقًا وهو أن الشريعة الإسلامية كانت عند جنكيزخان مصدرًا أساسيًا لقانونه، بينما هي عند العلمانيين مصدرًا احتياطيًا من الدرجة الثالثة!
وإذا تبين هذا فإننا نقول بما قاله الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:(إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} ... فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر... فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام ميهأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم. فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن"محمدًا رسول الله"بعد هذه المناقضة.
إن ما جد في حياة المسلمين من تنحية شريعة الله، واستبدالها بالقوانين الوضعية البشرية القاصرة، بل رمي شريعة الله بالرجعية والتخلف وعدم مواكبة التقدم الحضاري والعصر المتطور إن هذا في حقيقته ردة جديدة على حياة المسلمين) .