فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 719

فإن كانت الحضارة الإسلامية ليست ذات أثر بالغ، وليست هي أساس حضارة أوروبا ومدنيتها المتغولة colonist فمن أين امتلأت قواميسهم بالألفاظ العربية الواضحة؟!.. علّ هذا ما شهد به جورج سارتون في كتابه المدخل إلى تاريخ العلوم؛ حيث أورده على سبيل الدفاع في كتابه (العلوم البحتة في الحضارة العربية والإسلامية) مع بعض الشهادات التي سأذكرها؛ حيث قال: (كانت اللغة العربية في منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي لغة العلم الارتقائية للجنس البشري؛ حتى إنه كان يستوجب على من أراد أن يلمّ بثقافة عصره، وبأحدث صوره أن يتعلم اللغة العربية) .. بل وقال: (كتبت أعظم المؤلفات قيمة، وأكثرها أصالة، وأغزرها مادة باللغة العربية خلال العصور الوسطى) ..

إذن فلن أستغرب حين أجد القاموس الإنجليزي مليئا بمثل الكلمات العربية: straight، street، arena، gide، captain، sigar، cave، start، وغيرها، وغيرها؛ ولكن هل يغطون الشمس بالأصابع؟!.. هذا ما ذكره لوسيان سيديو في كتابه (تاريخ العرب) من ذات المصدر: (ولقد حاولنا أن نقلل من شأن العرب، ولكن الحقيقة ناصعة؛ يشع نورها من جميع الأرجاء؛ وليس من مفر أمامنا إلا أن نرد لهم ما يستحقون من عدل إن عاجلًا أو آجلًا.. وقال في كتابه هذا:(خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية تكونت مجموعة من أكبر المعارف الثقافية في التاريخ، وظهرت منتوجات ومصنوعات متعددة، واختراعات ثمينة؛ تشهد بالنشاط الذهني المدهش في هذا العصر؛ وجميع ذلك تأثرت به أوروبا؛ بحيث ينبغي القول بأن العرب كانوا أساتذتها في جميع فروع المعرفة) ..

ومن الشهادات التقديرية التي منحها الغربيون للحضارة الإسلامية كذلك شهادة يرونلت في كتابه (تكوين الإنسانية) حيث قال: (العلم أعظم ما قدمته الحضارة الإسلامية إلى العالم الحديث عامة، والجدير بالذكر أنه لا توجد ناحية من نواحي النمو الحضاري إلا ويظهر للإنسان فيها أثر الحضارة والثقافة العربية، وأن أعظم مؤثر هو الدين الإسلامي؛ الذي كان المحرك للتطبيق العلمي على الحياة.. وأن الادّعاء بأن أوروبا هي التي اكتشفت المنهج التجريبي ادّعاء باطل، وخال من الصحة جملة وتفصيلًا) .

مثل هذه الشهادات ينبغي أن يسمعها كل العالم؛ بكل اللغات؛ طالما تعذر سماعها باللغة العربية؛ بعد خصيها، وإقصائها، وغليها، وقليها.

فمن المضحك الذي يبكي أن يصير اللفظ العربي بمعناه عند الأوروبيين، ويتغير عندنا لفظًا؛ ككلمة كحول، وربما لفظًا ومعنى ككلمة تغوَّل colonization؛ مع اختلاف المخارج الحرفية، وصيغ الاشتقاق.. ولأن هذا اللفظ الأخير مرعب حتى إنا لنخيف به الأطفال (غول) ، ودول الغرب هي الأنموذج الظاهر لشرح معناه أبدلوه لنا في ألفاظنا بكلمة (استعمار) ؛ لطيفة الحروف، جميلة المعنى؛ كدليل واضح على توجيههم لحضارتنا وهويتنا وتاريخنا.. بل عندما استهلكنا اللفظ الجديد؛ لكثرة ما عكس حقيقة التغول الغربي - قدموا لنا كلمة (المستوطنات) ؛ كبديل آخر من ألفاظ الاستعمار الحديثة..

وعندما يصنع الغرب لغتنا الجديدة، وديننا الجديد، ويدرسنا تاريخنا من زاوية سوداء، وتاريخه من زاوية ناصعة مكذوبة؛ حتى نمجد هنري الملاح، وفاسكوديجاما (قتلة المسلمين) وتنسب لهم زورًا الفتوح، وعندما يوجه تفكيرنا لا يأمرنا بذلك أمرًا؛ وإنما هي أطياف ظريفة؛ تسوق الناس مع خطى الشيطان، ونسمات لطيفة تجري مجرى الدم؛ لنجد بعدها أعناقنا محنية، وعيوننا تنظر تحت الأقدام؛ بحثًا عن الهوية، وأيدينا ماسكة بها أوروبا لتهدينا.. نعم طالما أنهم أغنونا عن البحث في حضارتنا؛ فبحثوها - وما زالوا - وصنفوها، وبوّبوها، وفهرسوها، وأظهروا لنا منها ما أرادوا، ودلسوا ووسوسوا فيما أرادوا؛ فانبهرنا بجهدهم فيها؛ لا بها ولا بمن أسسوها؛ فهل ننكر أن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم قام بجمعها وفهرستها مستشرقان فقط في مؤلف ضخم من عدة مجلدات، وأن طوائف المسلمين ونحلهم قاموا بدراستها وتصنيفها مستعينين بكتابات وبحوث المسلمين بل حتى طوائف وأديان غير المسلمين؟، وهل نكذب أنه حتى في أيامنا هذه الآن قاموا باستقراء كل المسلمين وخلصوا إلى تصنيفهم إلى أربعة أكوام، إما أصوليون، أو علمانيون، وإما حداثيون أو تقليديون؟، أم ننكر أننا إذا أردنا أن نتعرف على الأحوال العالمية لكل شيء في أي بلد سنستعين بالدوريات العلمية لهم، أو مراكز المعلومات عندهم؛ كالدورية التي تصدر كل عام من نيويورك World Almanak & book of facts

لن نستطيع الإنكار؛ ولكننا لن نتنكر لحضارتنا؛ وإن آلت لغيرنا.

نحن والقرآن د. عبد الرحمن صالح العشماوي*

في رمضان الكريم تشرق كثير من بيوت المسلمين بنور القرآن الكريم، وتتردَّد في جنباتها تلاوات أفراد الأُسرة صغارًا وكبارًا بصورة تحرِّك مكامن السعادة في القلوب، والناس في هذا أصناف كثيرة ما بين مكثرٍ ومقلٍّ، ومقبلٍ ومُدْبر، وغافلٍ ومتدبِّر، ولا شك أنّ سماع أصوات تلاوة القرآن الكريم يسعد القلب، ويرقى بالروح، ويستمطر أحيانًا دموعًا ساخنةً لها لذَّةٌ خاصة في قلوب من يذرفونها.

القرآن ... هذا الكلام الإلهي المعجز الذي يتجدَّد معنى، ويتألَّق لفظًا كلَّما تلاه الإنسان أو سمعه، إلى درجةٍ يكاد يشعر معها الإنسان أنّه لم يقرأ ولم يسمع مع أنّه كثير القراءة كثير السماع.

وهنا تأتي أهميَّة التدبُّر لمعاني القرآن، والتأمُّل لما فيه من البلاغة والبيان، والتعرُّف على ما فيه من العبر والمواعظ، لأنّ القارئ المتدبِّر لكتاب الله يجد من المتعة والفائدة ما لا يجده القارئ المتعجِّل الذي يردِّد الآيات دون التدبُّر في جوانبها الإعجازية العظيمة.

إنَّ فرصة الإقبال من أكثر المسلمين على تلاوة القرآن الكريم لا تعوَّض بثمن، وإنَّ توجيه المسلمين والمسلمات إلى تدبُّر القرآن وتأمُّله أثناء تلاوتهم له مهمُّ جدًّا للرقيِّ بالنفوس، وراحة القلوب، وتقويم السلوك، وفتح نوافذ الكون بكلِّ ما فيه أمام الإنسان من خلال القرآن الكريم.

قال صاحبي: حانت منِّي رغبةٌ قويَّة في التعرُّف على معاني آياتٍ كنتُ أقرؤها من سورة (آل عمران) ، فلمّا تأمّلتها وعرفت ما ورد من التفسير فيها شعرت أنّني أمام معانٍ عظيمة لم أنتبه إليها من قبل، مع أنّني أختم القرآن الكريم في كلِّ رمضان - بفضل الله -.

وقفت عند قوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} .

ثم استرجعت بذاكرتي صور الذين يسارعون في الكفر الصريح الواضح في عصرنا هذا، وتأمَّلْتُ حالة المسلمين الذين يرون جبروت بعض الدول الكافرة وطغيانها في هذا العصر ويتساءل بعضهم: إلى متى هذا، وتأمَّلْتُ ما يقوله أولئك الكفار من عبارات وتصريحات تدلُّ على أنّهم يعيشون سكرة الاغترار بالقوة المادية، والسيطرة، والقدرات العلمية الهائلة، ويظنون أنّهم أوصياء على خلْق الله ويشيرون بطرق متعدِّدة إلى أنَّهم يسعون إلى زيادة السيطرة على العالم لأنّهم أقوياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت