فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 719

فأما المنافقون فقد ظهروا في المدينة النبوية بعد غزوة بدر وعانى منهم النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ما عانوا، ونزلت في فضحهم آيات وسور، وبصرتنا كيف نتعامل معهم في الحرب والسلم. وأما الفرق الضالة عن الدين الخارجة على جماعة المسلمين فقد ظهرت أصولها في عهد الخلفاء الراشدين، ولم تزل في تشعب وتفرق إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله رب العالمين.

وقد خط لنا السلف الصالح الطريق الأقوم في التعامل معهم، بحسب نوع البدعة وخبثها وبعدها عن سبيل المؤمنين أوقربها، وبحسب قوة المسلمين وضعفهم، وبحسب ما تقتضيه المصلحة التي توافق أصول الشرع ولا تخالفه.

وأقل درجات المعاملة مع المنافقين والمبتدعة المارقين، هو هجرهم وإقصاؤهم وتحذير الأمة من شرورهم وضلالاتهم. وربما اقتضى الأمر - أحيانًا - إظهار اللين معهم دون أن يتخذوا بطانة أو يلتمس منهم نصرة أو إعانة.

الطريق المعوجّ:

ولقد ظهر في الأمة من ينادي بتمييع قضايا الدين والعقيدة وإلغاء الفروق بين الناس فيها، تحت شعارات"قومية"أو"وطنية"، ونعرات جاهلية عرقية.

ومما أحدث اليوم ما يسمى"الحوار الوطني"، وهو مجموعة لقاءات ومجالس تعقد هنا وهناك، ويشارك فيها ممثلوا فرق وأحزاب متناحرة، ونحل ومذاهب متنافرة، للبحث في شئون الأمة وسياستها ومشكلاتها الداخلية.

فهاهو ذا"العلماني"الموغل في"العلمنة"والذي أظهر ولم يبطن وأعلن ولم يسر، عن رأيه وموقفه من الدين بما لا يبقى معه شك أو بعض شك أنه عدو لله وعدو للمسلمين، ولا ينفك في كل مناسبة من طرح تلك الآراء الشاذة تنضح بكل ما يسيء للدين ويثير حفيظة المؤمنين.

وهاهو ذا داعية الشرك والضلال ومؤلف الكتب المشهورة التي دار فيها"حوار"قديم من نحو ربع قرن، ولا يزال مجتهدًا في إحياء"مفاهيم"الوثنية الجاهلية وغيرها من المحدثات القولية والعملية.

وهاهو ذا رأس من رؤوس"الرافضة"التي رفضت الدين والملة منذ أن نشأت الفتنة، والذي يتبجح بتكفير الصحابة وسبِّ سلف هذه الأمة الخيرة، مظهرًا خبثه وبدعته وولاءه، فقبلته"كربلاء"وكعبته"النجف"وإمامه"الحاضر"هناك، وأما"الغائب"فهو حبيس السرداب"عج"!!

فما هي تلكم المصالح"الوطنية"المشتركة التي يمكن أن يجتمع لتحقيقها وتحصيلها أمثال هؤلاء مع علماء الأمة ودعاتها وولاة أمورها؟

وما هي"المحاور"التي يمكن أن يناقشها مثل هذا الخليط"المتنافر"في العقائد والأصول"المتباعد"في المذاهب والمشارب"المتناقض"في الهداف والغاية؟

شبهة وجوابها:

قد يقال إننا إن عجزنا عن جمع الكلمة في الدين والملة، فلا أقل من أن يلم الشمل لما فيه صلاح الوطن، وفق المقولة السائرة (الدين لله والوطن للجميع) .

والجواب عن هذه الشبهة بإجمال من غير تفصيل؛ هو في قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) ، وقوله: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) ، وقوله: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) .

وقد أمر الله بالاعتصام بحبل الله والاستمساك بالعروة الوثقى لا بغيرها من العرى. وأقول لدعاة هذا الحوار"المسخي"، كيف غُبِّيت مصلحة كهذه عن خيار هذه الأمة، من عهد الخلفاء الراشدين والتابعين ومن تبعهم من الأئمة المهديين، من مثل؛ مالك والأوزاعي وابن المبارك والسفيانين... ثم أحمد والبخاري والدارمي وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين... إلى عصر ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم شمس الدين... إلى عصر أئمة الدعوة النجديين والعلماء الربانيين من مثل ابن إبراهيم وابن باز والعثيمين... إلى غيرهم من علماء الأمة السلفيين. ولا ريب أن هؤلاء الأئمة الأعلام ممن سميت، وألوفًا غيرهم، هم أحرص الناس على جمع كلمة المسلمين، وأعلم بما يصلحهم في الدارين، ومع ذلك لم يدعوا يومًا من الدهر إلى مثل هذا الحوار.

الطريق القويم:

وكان أحرى بأهل الحل والعقد، وهم يرون واقع الأمة المزري، وما وصلوا إليه من ضعف وشتات وجهل بالدين، وبعد عن سنن الأئمة المتقدمين، أن يدعوا الناس كافة إلى الاعتصام بحبل الله المتين، وتوحيد كلمة المسلمين على توحيد رب العالمين، وهدي سيد المرسلين ومن بعده من الأئمة المهديين، وتحكيم الشريعة وحدها دون ما سواها، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أوله

القومية العربية ضيعت العراق

العراق .. ودورة الاستعمار

في ظل العدوان الأمريكي البريطاني على العراق ارتفعت أصوات عالية تتحدث عن العروبة والقومية العربية، وأنها سبيل النصر للعراق في ظل محنته الحالية. وتعامت تلك الأصوات العالية عن الحقيقة الناصعة والسبيل الوحيد للنصر ألا وهو التمسك بالإسلام؛ ولعل هذا يدفعنا إلى توضيح حقيقة القومية العربية.

البداية:

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت أول بوادر ما سمي بالقومية العربية، وقيل إن الذي انزلق إلى لفت الانتباه إلى العصبية العربية هو الشريف حسين، ولكن الحقيقة أن الرجل لم يَعِ خطورة هذا الانزالق بخلاف ابنه فيصل الذي وجد الإنجليز ضالتهم فيه في إرساء هذا التيار؛ لذلك توجه لورانس إليه بدلًا من أبيه في بحثه عن ذلك الزعيم؛ فهو يقول: (وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج وأتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الاعتقاد الوطني الاعتقاد الديني؟ وبمعنى أوضح: هل تحل المثل العليا السياسية مكان الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا مثلها الأعلى الديني بمثلها الأعلى الوطني؟ هذا ما كان يجول بخاطري طوال الطريق) ، وقد كوفئ فيصل وعينه الإنجليز حاكمًا للعراق؛ لذلك كان لورانس الضابط الإنجليزي هو مؤسس القومية العربية التي ما لبث أن حمل لواءها نصارى الشام، وأسسوا كثيرًا من الجمعيات الأدبية والعلمية في دمشق وبيروت والقاهرة.

وهذا يدفعنا إلى التأكيد على أن ظهور القومية العربية لم يكن كما قيل نتيجة ظهور القومية الطورانية في تركيا، ولكن هذا يؤكد أنه مخطط استعماري لتضيع الهوية الإسلامية قبل القضاء على الخلافة الإسلامية نهائيًا؛ ففي نفس الوقت ظهرت أيضًا القومية الكردية.

وانطلت الحيلة والمخطط على كثير من أبناء المسلمين المغفلين خاصة الذين تأثروا بالفكر الغربي الذين آمنوا بالعلمانية وإقامة الرابط القومي بدلًا من رابط الدين الإسلامي.

كما أراد الغرب أن تكون القومية رابطًا لتكوين أمة بديلًا للدين، وبرزت أفكار عديدة من أهمها:

1)وحدة الأصل والعرق.

2)وحدة اللغة.

3)وحدة التاريخ.

4)وحدة الثقافة.

5)المصالح المشتركة.

ولكنهم لما أرادوا تصدير وإرساء فكرة القومية في البلاد العربية الإسلامية جعلوا القومية العربية ترتكز على عنصرين اثنين فقط لا غير:

1)وحدة اللغة: فبغض النظر عن التدقيق في عناصر القومية الأخرى؛ فكل من يتكلم العربية فهو عربي، ولو لم تكن أصوله عربية ومن كانت لغة آبائه العربية فهو عربي.

2)وحدة التاريخ: يقول ساطع الحصري أحد أهم وأبرز مؤسسي ومفكري القومية العربية: (إن وحدة التاريخ هي التي تلعب أهم الأدوار في تكوين القرابة المعنوية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت