ويلاحظ أنه لدى تطبيق القوميين العرب عنصر وحدة التاريخ على واقع الشعوب العربية نجدهم يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين؛ لأنه لا يمثل وحدة تاريخ بين كل العرب مسلميهم، وغير مسلميهم، بل قد يحقدون عليه وهم لا يعترفون بأنه تاريخ لهم؛ إنما هو تاريخ خصومهم، بل أعدائهم؛ فكيف يكون عنصرًا يربطهم بالأمة العربية؛ فهؤلاء لهم تاريخ خاص بهم غير تاريخ العرب المسلمين ولو عاشوا بينهم أقلية.
والعجيب أنهم حين يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين يسقطون على تاريخ عصور الجاهلية العربية البائدة والعاربة والمستعربة، ويبرزونه أدبيًا وثقافيًا على أنه تاريخ العرب. أما بعد الإسلام فلا يظهرون إلا ما كان فيه نقائض في التاريخ الإسلامي أو لا تأثير واضح للإسلام فيه، أو مراحل الضعف، أو ما يتعلق بتاريخ غير المسلمين وتزيينه؛ لذلك نجدهم في عنصر وحدة التاريخ ينحُّون كل ما هو إسلامي مجيد ويسلطون الأضواء على غيره.
ولا يهمل مفكرو ومفلسفو القومية العربية العناصر التالية:
أ) وحدة المشاعر والمنازع.
ب) وحدة الآلام والآمال.
ج) وحدة الثقافة.
ولكنهم يجعلونها نتائج طبيعية لوحدة اللغة ووحدة التاريخ.
وفي ذلك يقول ساطع الحصري إمام القومية العربية: (إن أسس الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو وحدة اللغة ووحدة التاريخ؛ لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر، وحدة الآلام والآمال ووحدة الثقافة؛ وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أمة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى. ولكن لا وحدة الدين ولا وحدة الدولة ولا وحدة الحياة الاقتصادية تدخل بين مقومات الأمة الأساسية.. كما أن الاشتراك في الرقعة الجغرافية أيضًا لا يمكن أن يعتبر من مقومات الأمة الأساسية، وإذا أردنا أن نعين عمل كل من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة قلنا: اللغة: تكوِّن روح الأمة وحياتها، والتاريخ: يكوِّن ذاكرة الأمة وشعورها) .
واستنادًا إلى ما سبق فالقومية العربية تجمع كل من يتكلم العربية وينتسب إلى البلاد العربية مهما كان دينه أو بلده أو مذهبه أو أصله، والعروبة تشمل المصري، والعراقي، والمغربي المسلم، والمسيحي، والسني، والشيعي، والدرزي، والنصيري، والكاثوليكي، والأرثوذكسي، والبروتستانتي فهم أبناء العروبة.
وهكذا استطاعت القومية العربية أن تسلب المسلمين العرب أصحاب الدين الحق والأرض والسيادة، بل والأكثرية العددية من حقهم في السيادة على أرضهم لصالح الأقليات غير المسلمة التي دافعت عن القومية العربية بكل ما تستطيع، ومع ذلك لم تتنازل عن عصبياتها الطائفية المضادة للإسلام والمسلمين مرة واحدة، ووقائع الأحداث في كثير من البلاد العربية تؤكد ذلك في لبنان وسوريا والعراق؛ ليظهر بما لا يدع مجالًا للشك أن شعار القومية العربية لم يستطع أن يوحد بين أتباع الأديان المختلفة والمذاهب المتعارضة ليثبت سقوط الفكرة من أساسها؛ لأن عناصر القومية غير صالحة لتكوين أمة متحدة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يكون خاليًا على الدوام من مبدأ أو عقيدة يعمل له، ويعطي له ويبذل من أجله، ويستظل بفكره، وينطلق نحو أهدافه.
فساد وضعف رابطة اللغة والتاريخ:
فالرابط اللغوي وذكريات التاريخ بطبيعة مكوناتهما لا يشبعان نهمة العقول حول معرفة كثير من أسرار الحياة والغيب والبعث والنشور والعبادة ولا منهج حياة مستقيم فيه العدل والخير؛ وأجمع جامع للناس في هذا دين رباني حق تدفعهم للأخذ به والاجتماع عليه عدالته وكماله، والرغبة بالثواب العظيم، والرهبة من عذاب أليم أعدهما الرب الخالق منزل الدين.
الجامعة العربية:
لقد سعى أولئك القوميون إلى تقويض كل اتحاد باسم الإسلام، وأخذوا يبذلون كل ما لديهم لاتحاد باسم العروبة.. رفضوا فكرة الجامعة الإسلامية في بداية القرن العشرين، وسعوا إلى الجامعة العربية؛ فماذا صنعت الجامعة العربية التي كانت أهم الصعاب التي تواجهها الاحتلال اليهودي لفلسطين؟ جعلوا القضية عربية وأعدوا الجيوش العربية عام 1948م، فكانت النكبة والهزيمة والخسران، وكان ترسيخ الاحتلال؛ لأنها لم تكن لله ولا جهادًا في سبيل الله، ولا من أجل الإسلام والمسلمين ولا أرض إسلامية، وقالوا: فلسطين عربية، والصراع العربي الإسرائيلي، ثم ما لبثوا أن قالوا: القضية الفلسطينية.
لقد حافظوا على الجامعة العربية للمحافظة على الشكل بدون أي مضمون أو عمل حقيقي؛ لأن الإسلام بعيد عن أساس وأهداف عملهم.
شعراء القومية العربية:
قال أحدهم:
يا مسلمون ويا نصارى دينكم ... ... دين العروبة واحد لا اثنان
وقال الآخر:
سلام على كفر يوحد بيننا ... ... وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم
وقال ثالثهم:
آمنت بالبعث ربًا لا شريك له ... ... وبالعروبة دينًا ما له ثان
القومية في ثوبها الجديد:
ما قدمناه كشف لثوابت وأسس القومية العربية، ولقد سيطرت القومية العربية بتلك الأفكار والأسس على المنطقة العربية فترة الخمسينيات، وتمكنت من السيطرة على بعض نظم الحكم في البلاد العربية، وسيطرت على الإعلام والثقافة لتضمن التحكم في التوجيه الفكري للشعوب.
وظهر حزب البعث العربي الذي أسسه النصراني ميشيل عفلق القائل في كتابه: (سبيل البعث) : «إن الأمة العربية تفصح عن نفسها بأشكال متنوعة في تشريع حمورابي، وتارة في الشعر الجاهلي، وتارة بدين محمد (!!) وأخرى بعصر المأمون» .
وانقسم حزب البعث إلى شقين: واحد في العراق، وآخر في سوريا، وبينهما عداوة وصراع وبغضاء لا تنتهي.
وتبنى الرئيس المصري جمال عبد الناصر فكرة القومية العربية وعلا صوته بها في الستينيات، وكان من نتائج القومية العربية على مصر أن ذهب الجنود المصريون إلى اليمن لقتال اليمنيين، ثم هزيمة 1967م النكراء، وانقسم القوميون ما بين الشيوعية والرأسمالية والفوضوية والإباحية، ومنهم من عاد للإسلام، ومنهم من ظل تائهًا يتخبط.
ولكن في الآونة الأخيرة ونظرًا لظهور المد الإسلامي مع بداية السبعينيات حاول بعض القوميين ارتداء عباءة الإسلام مع القومية العربية كما فعل بداية الشريف حسين، والبعض ظل على موقفه مع الاعتراف بالتواجد الإسلامي، والآخر ـ وهم كثيرون ـ ظلوا يناصبون التيار الإسلامي العداء علانية وخفية.
ولكن المشكلة الحقيقية أن بعض الإسلاميين نظرًا لظروف سياسية معقدة يتنازل عن وضوح فكره الإسلامي وعقيدته من أجل العمل السياسي المشترك الذي ظهر باسم العمل أو اللجان القومية، ولقد ظهر ذلك بوضوح في مواجهة الاحتلال اليهودي لفلسطين وانتفاضة الأقصى، والعدوان الأمريكي البريطاني على العراق.
فلقد انبرى القوميون ليعلو صوتهم في الأمرين في شتى المحافل ليظهر على السطح العمل القومي الذي لا يتميز فيه الإسلاميون بفكرهم في تجمع يجمع اليساري الشيوعي العلماني القومي النصراني والناصري؛ والإسلامي مطلوب منه أن ينسجم في تلك البوتقة بدون تمييز ولو حتى بشعار ملفت للنظر لنجد من يخرج من الأزهر الشريف يهتف: يحيا الهلال مع الصليب في مظاهرات تندد بالعدوان على العراق.
ولقد خفف القوميون خطابهم المعادي للإسلام تحت ضغط ارتفاع المد الإسلامي في شتى بقاع الأراضي العربية، ولكنهم استطاعوا أن ينفذوا ببعض المصطلحات على الساحة الإعلامية مثل: العدو الأجنبي، وأعداء العروبة، وشهداء الوطن، والمؤتمر القومي ـ الإسلامي.
موقف الإسلام والعصبية للقومية العربية:
لقد قاوم الإسلام العصبية القومية ورفضها واعتبرها نزعة جاهلية منتنة، وأقام بين المسلمين الأخوة الإيمانية الإسلامية.