فهرس الكتاب

الصفحة 567 من 719

وباستحضار حقيقة الدولة الإسلامية من جهة، وطبيعة الموقف التقليدي لأولياء الشيطان من هذه الدولة من جهة أخرى، يصبح الجهاد مطلبا لا محيد عنه للجماعة المسلمة حين تتحرك بجد لإقامتها، فإن هذه الدولة - التي لا يقام الدين كما أُنزل إلاّ بإقامتها - هي واقع التمكين الذي وعد الله به أولياءه المؤمنين، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور: 55] ، ومادام هذا الواقع - أي واقع التمكين - هو واقع القهر للكفر والعلوِ عليه، فمن الضروري في منطق ارتباط النتائج بمقدماتها المناسبة أن لا يكون هذا العلو إلاّ بعد الغلبة على الكفر بقوة الجهاد، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه} [لأنفال: 39] ، ولذلك كان الوعد بالتمكين دليلا عليه، وملزما للأخذ به، إذ من المعلوم أن الوعد الإلهي يحمل في طياته أمرا شرعيا يطلب تحقيق الأسباب الكفيلة بإدراكه. وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة التناقض الكامل بين دولة الإسلام ودولة الكفر، لأن الأولى تمثل واقع التمكين لشريعة الله، والثانية تمثل واقع التمكين لشريعة الطاغوت، يصبح القتال مسَلمة من مسلمات الصراع بين المعسكرين، فإن دولة الإسلام هي الحق الذي لا يمكن انتزاعه إلاّ في أجواء الصراع المسلح مهما كانت ديموقراطية الأعداء، بل إن دين الديمقراطية يفرض على أتباعه أن تكون هذه الدولة هي الخط الأحمر الذي يوجب الشكل القتالي للصراع ولو انهزمت الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع!

ولكي تكتمل صورة الدوافع الحقيقية لقتال أولياء الشيطان لابد من استحضار حقيقة الوظيفية الدعوية للجماعة المسلمة، فإن هذه الأمة ما أخرجت للناس إلاّ لأداء هذه المهمة، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] ، وهذه الدعوة حين تكون إلى ما أراد الله من غير تلبيس ولا تدليس، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} [النحل: 36] ، حين تكون كذلك، فإنها سوف تصطدم - ولاشك - بكل سلطة تستعبد الناس من دون الله، فهي سنة جارية أن يكون في كل قوم طواغيت تتأذى مطامعهم الشخصية بهذه الدعوة، لأنها تجردهم من صلاحيات الألوهية التي أعطوها لأنفسهم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [الأنعام: 123] ، فيعترضون طريقها، ويحولون بينها وبين الناس، وعندها لابد للجماعة المسلمة من التدخل للدفاع عن حرية الدعوة، وأن تقاتل أولياء الشيطان الذين يقفون في وجهها للتأكد من ضمان وصولها - كاملة من غير تحريف - إلى الناس أجمعين، فإن من حق الناس جميعًا أن تصلهم هذه الدعوة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28] .

ثم إن من حق الناس بعد وصول الدعوة إليهم أن يملكوا الحرية الحقيقية للاختيار، فيعتنقون الإسلام - إن شاءوا - في جو خال من التهديد والإرهاب الذي تمارسه كل سلطة كافرة على من أراد أن يسلم لله من دونها، والحقيقة أن هذا النوع من الحرية لا يتحقق إلاّ بأن تتحرك الجماعة المسلمة لإزالة تلك السلطة الكافرة الجاثمة على صدور الناس، أو على الأقل أن تفرض عليها من القيود والالتزامات ما يشعر الناس بالأمن من بطشها إن هم اختاروا الإسلام لله وكفروا بما يعبد من دونه، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، فتنكسر شوكة هذه السلطة، ويصغر شأنها، ويحس الناس - كل الناس - أنهم في مأمن من إرهابها، وفي حمى آمن من فتنتها.

وإذا كنا نؤمن أن الأرض لله سبحانه، وأن الناس خلقه وعبيده، وأنه يريد - شرعا - أن يعلوَ حكمه الشرعي في ملكه، كما علا حكمُه القدري، فإن من حقه جل وعلا على أوليائه أن يقاتلوا أولياء الشيطان لتكون كلمة الله هي العليا، فيكون الدين كله لله، ويظهر الإسلام على الكفر، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .

قال ابن القيم: (فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق في رقابهم، فهذا من دين الله، ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشومة والكلمة) [أحكام أهل الذمة: 1/18] .

صحيح أن الإسلام لم يكره الناس على الدخول فيه بقوة السيف، قال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] ، فلا إكراه لأي أحد على الدخول في الدين، لكنّ هذا لا يعني أن تقعد الجماعة المسلمة عن التحرك لإزالة سلطان أئمة الكفر الذين يسيطرون على واقع الناس ويحولون بينهم وبين حرية الاختيار، كما لا يعني القعود عن قتال هؤلاء الكفار ليكون الحكم للإسلام فيعلو دين الله ولا يُعلى عليه، قال تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .

إن الجهاد ليس هو السلوك المطلوب اتجاه أولياء الشيطان فحسب، وإنما هو الموقف الذي يعبر عن الشكل الأصلي الذي ينبغي أن تأخذه العلاقة بين الجماعة المسلمة وأولياء الشيطان، وأي موقف يدعو إلى خلافه لابد أن يكون حالة استثنائية تدعو إليها مصالح معتبرة شرعا وقدرا، ومعلوم أن الاستثناء ضيق لا توسع فيه، قال تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محمد: 35] .

قال ابن كثير: (أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعدتكم) [التفسير] .

نعم هناك أولويات في القتال، فبعض أولياء الشيطان أولى بالقتال من بعض، قال تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12] ، إما لأنهم تمادوا في الكفر بحيث صاروا أئمة فيه، فكانوا كما قال أبو السعود: (أحقاء بالقتل والقتال) [التفسير: 4/47] ، أو لأنهم يحتلون موقع الرئاسة في الكفار بحيث صاروا أئمة فيهم.

قال أبو السعود: (وتخصيصهم بالذكر إما لأهمية قتلهم، أو للمنع من مراقبتهم لكونهم مظنة لها، أو للدلالة على استئصالهم فإن قتلهم غالبا يكون بعد قتل من دونهم) [التفسير: 4/47] .

والمهم أن يكون هناك تصنيف للأعداء، فرغم أن الكفر ملة واحدة إلاّ أنه ليس مرتبة واحدة! وهذا بدوره يفرض على الجماعة المسلمة ترتيب أولويات المواجهة حسب ضوابط المصلحة والمفسدة شرعا وقدرا، كما يفرض التعامل مع كل صنف من هؤلاء الأعداء حسب قواعد وأحكام الفقه الإسلامي المعروفة عند الفقهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت