ولكن نفس التاريخ يعتبره أخرون مقدمة لفصل الجنوب رسميًا عن الشمال باعتراف الشمال، وتأريخ لحقبة جديدة في حياة السودانيين ربما تضيع فيها هوية السودان العربية والإسلامية تحت دعاوي"جعل خيار الوحدة جذابًا للجنوبيين"، بحيث يتحول السودان تدريجيًا إلى دولة أفريقية علمانية خاصة أن"ثورة الإنقاذ"التي ساندتها الحركة الإسلامية السودانية وحاربت علي مدار 15 عامًا تقريبًا لتحرير الجنوب من المتمردين غيرت أطروحاتها في ظل الضغوط الغربية الشرسة، وانصراف الدول العربية عنها، وقبلت تنازلات ضخمة وصلت حد قبول اعتراض المتمردين على"البسملة"في بداية الدستور الجديد!.
فقائد المتمردين في الجنوب الذي يدعو لدولة سودانية أفريقية (لا عربية) علمانية موحدة، والذي هاجم عشرات المدن السودانية، وقتل الآلاف، عاد للخرطوم مظفرًا فاتحًا، وأصبح له مكتب في القصر الرئاسي في الخرطوم، وقواته ستنقل من الغابات لتنتشر في عدة مدن سودانية أبرزها الخرطوم التي سيرابض بها 1500 منهم.
والرئيس البشير أصبح مقيدًا وليس له الحق في إصدار أي قرارات هامة إلا بموافقة قرنق مثل: إعلان الحرب، أو توقيع اتفاقات هامة، أو تعيين الوزراء، وبالمقابل ليس له الحق في التدخل في أي شيء في شئون الجنوب الذي له حكومة مستقلة، وميزانية مستقلة، وله الحق في التعامل مع العالم الخارجي دون تدخل الخرطوم!.
لقد حددت اتفاقية السلام تفاصيل العلاقة بين الشمال والجنوب، ووضعت الخطوط العريضة للسلام، وقسمت الثروة (البترول) والسلطة، وأعطت الجنوب سلطات ذاتية واسعة، ولم تهتم كثيرًا لما يمكن أن يترتب على هذا من مخاطر استقلال الجنوب مستقبلًا، ومخاطر استقلال أقاليم أخرى على غراره مثل: دارفور وابيي وكردفان وجبال النوبة ليتفتت السودان هذه المرة باتفاقات السلام لا بالحروب، وهي السياسة الجديدة التي اتبعها المحافظون المسيحيون الجدد في إدارة بوش.
فلأول مرة في تاريخ السودان منذ استقلاله (يناير 1956) يتولي"جنوبي"منصب النائب الأول للرئيس السوداني بعد أن كان المنصب الأول والثاني في كل الجمهوريات الرئاسية في السودان من نصيب أهل الشمال، وحتى عندما عين نائب رئيس جنوبي مثل"ابيل اللير"في عهد نميري كان يحتل مركز (النائب الثاني) بصورة دائمة، والأهم أن هذا النائب الأول يحمل سلطات تنفيذية ضمن مؤسسة الرئاسة الثلاثية لا تسمح للبشير بإصدار قرارات معنية دون أخذ رأيه وموافقتة كإعلان الحرب، أو حالة الطوارئ، واستدعاء مجلس التشريع الوطني للانعقاد، والتعيينات المطلوبة للسلام، كما أنه حاكم للجنوب، وقائد لجيش جنوبي خاص له قواته حتى في عاصمة البلاد، وله حكومته ذات الاستقلال الذاتي الكامل في الجنوب، ولها نصيب محدد من الثروة القومية، ولها السلطة في الحصول مباشرة على المعونات والقروض الخارجية وفق الدستور على عكس الولايات الشمالية!!.
ولأول مرة في تاريخ السودان الحديث سيرى سكان الخرطوم 1500 جندي من قوات التمرد الجنوبية الذين كانوا يحاربونهم حتى بضعة أشهر ينتشرون في العاصمة الخرطوم وفق الاتفاق الأمني الموقع بين الحكومة وحركة التمرد، والذي يقضي بنشر قوات عسكرية مشتركة بين الحكومة والحركة الشعبية - هي نواة الجيش السوداني الجديد - حيث يحدد الاتفاق نشر 24 ألف رجل في الجنوب (من الجيشين) ، و6 آلاف في جبال النوبة، و6 آلاف آخرين في النيل الأزرق الجنوبي، و 3 آلاف (مناصفة) في العاصمة الخرطوم.
ولأول مرة سيحكم السودان"خلطة دينية"، و"مواقف دينية"متضاربة: فالرئيس ونائبه الثاني ينتميان للحركة الإسلامية في السودان، وبجوارهما نائب أول مسيحي يؤمن بالعلمانية، ورفض تضمين الدستور عبارة"بسم الله الرحمن الرحيم"، ولكنه عاد وأقسم"بالله العظيم"أن يكون وفيًا لجمهورية السودان عند توليه منصبه.
ولهذا بدأ علماء يحذرون من تغلل حركة قرنق في المجتمع السوداني، ونشر أفكارها العلمانية بين السودانيين بحجة السلام، حيث أصدر نحو 25 يمثلون الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان فتوى دينية بتحريم الانضمام لحركة التمرد (الحركة الشعبية) ، وعدم الانضمام لحزبها لأنه علماني لا ديني، ويوالي"الكفار"- مقصود أمريكا والغرب - وذلك"كفر وردة"، و"التحالف معهم محاربة لله ورسوله، وإفساد في الأرض من أعظم أنواع الكفر والردة عن دين الله"!.
ولأول مرة يصبح للجنوب وجود سياسي في الحكومة بنسبة 28% (مقابل 52% لحزب البشير، و20% لباقي الأحزاب) ، وبنسبة 10% في كل ولاية من ولايات الشمال، وسيكون أيضًا ممثلًا في كل المجالس التشريعية الولائية الشمالية والجنوبية، وذا حق أصيل في صناعة القرار في كل شبر من أرض السودان، وفوق هذا وذاك سيكون لـ (الجنوب) الحق في نهاية الأعوام الستة القادمة (حتى عام 2011) أن ينفصل عن الشمال، وأن ينشئ دولته الخاصة، ولن يحتاج في هذا لأكثر من علم يرفعه فوق سارية لأن حكومته قائمة، وجيشه موجود، ومصادر دخله معروفة، وحدوده ثابتة، وأجهزة دولته قد استقرت، وحكومة الشمال تعترف به من الآن!
ولأول مرة سيتولى وزراء جنوبيين (حوالي 10) مناصب حكومية هامة أبرزها ربما تكون وزارة الخارجية السودانية التي قد تشهد تعيين أول"جنوبي"لها منذ الاستقلال عام 1956م، خلفًا للوزير مصطفى إسماعيل، وذلك من بين ثلاثة وزارات سيادية - ربما منها الإعلام والعدل - بعد أن كان أبرز منصب للجنوبيين فيها هو منصب"وزير دولة".
وكل هذا يثير المخاوف علي هوية السودان العربية الإسلامية، لأنه بسبب مبدأ (جعل الوحدة السودانية هدفًا جاذبًا لمواطني الجنوب) قدمت حكومة الخرطوم تنازلات ضخمة، وأصبح للجنوب استقلالية كبيرة في إدارة شئونه المالية والإدارية والمحاسبية بعيدًا عن أعين الحكومة المركزية، وأصبح لولايات الجنوب حقوق سيادية كبيرة، ما دفع البعض للتخوف أن يكون الدستور المؤقت الحالي قد جعل الفترة الانتقالية"بروفة"أو اختبار للانفصال النهائي، وجعل الانفصال - لا الوحدة - خيارًا جاذبًا للجنوبيين؟!.
اتفاق ثنائي يستبعد باقي القوي:
والأمر الأول الملفت للنظر أن الاتفاق الحالي بين حكومة حزب المؤتمر الحاكم وحركة جون قرنق والذي نتج عنه الدستور المؤقت لا يشمل العديد من القوى السياسية الأخرى الشمالية والجنوبية التي ترفض أن يمثلها الطرفان في الشمال والجنوب، ما يعتبر انتقاص كبير من فكرة أن الاتفاق"قومي"، بل أن نص المادة 40 من الدستور علي شرط أن تكون الأحزاب الموجودة موافقة علي هذه الاتفاقيات هو غصب وإكراه لها على الموافقة على اتفاقات لا توافق عليها لأنها تعطيها 16% من الوزارات بعد أن كانت هي تتولي رئاسة هذه الوزارات في العهود السابقة.
فلا يعني الاتفاق بين الشمال والجنوب أن كل أطياف الشمال والجنوب ممثلين فيه، فهناك عشرات الأحزاب والحركات السياسية السودانية الشمالية والجنوبية غير ممثله فيه، ورغم تحديد نسب لها في الحكم (14% لأحزاب الشمال و6% لأحزاب الجنوب) ، وقواعد للتعامل معها في الاتفاق فبعضها غير راض عن الاتفاق والدستور، والبعض الأخر يطالب بتصحيح الوضع أو تفجير الاتفاق، وقد عبر رئيس وزراء السودان الأسبق ورئيس حزب الأمة الصادق المهدي عن هذا عندما حذر من أن ما تم"يمثل تمكينًا ثنائيًا لحزبين لا يمثلان كل الشمال ولا كل الجنوب، ولا الأغلبية في السودان."