والأمر نفسه ينطبق علي الجنوب حيث قبائل عديدة خصوصًا"الشُلك"و"النوير"و"اللاتوكا"يتصارعون مع قبيلة"الدينكا"التي ينحدر منها جون قرنق، وهناك عدة فصائل عسكرية جنوبية تنتمي لهذه القبائل الأخرى ترفض الانضواء تحت راية قرنق، وتهدد باستمرار الحرب في الجنوب، وبعضها يقودها قادة كبار مثل اللواء فاولينو ماتيب، ولم يتم الاتفاق معها حتى الآن سواء باستيعابها في الجيش السوداني الرسمي، أو جيش قرنق؛ ما يهدد سلام وهدوء الجنوب.
وهناك تفاصيل كثيرة في اتفاق السلام نتيجة كثرة البروتوكولات قد تنعكس على تضارب أو خلافات مستقبلية، حيث تتوزع السلطات على أكثر من مؤسسة مركزية تعبر عن المستوى القومي والولايات الشمالية والجنوبية، وهناك نسب مختلفة لكل طرف تجعل خروج أي قرار أو تشريع في نهاية الأمر عملية حسابية معقدة وصعبة، ونتيجة توازنات ومنافسات كثيرة.
فالبروتوكول السادس بشأن توزيع السلطة تضمن منح حزب المؤتمر الوطني الحاكم 52% من السلطة في حكومة وبرلمان الشمال (المركز) ، ومنح حركة تمرد الجنوب (الحركة الشعبية) 30% من السلطة، و16% لبقية القوى السياسية السودانية، ونسبة 2% لمواطني جبال النوبا وجنوب النيل الأزرق، كما تم الاتفاق على توزيع السلطة في حكومة جنوب السودان - خلال الفترة الانتقالية التي تستمر 6 سنوات عقب توقيع الاتفاق النهائي، يعقبها استفتاء على حق تقرير المصير - بحيث تحصل حركة التمرد على 70% من السلطة، مقابل 15% فقط للحكومة، و15% للقوى السياسية الأخرى.
أما بالنسبة لتوزيع السلطة في منطقتي الجبال والنيل الأزرق؛ فقد تم الاتفاق على أن تحصل الحكومة على 55% من السلطة فيهما مقابل 45% للحركة الشعبية، وأن تكون رئاسة الحكومة في المنطقتين دورية بين الطرفين لمدة عام ونصف عام لكل جانب، وفيما يتعلق بمنطقة"أبيي"المهمشة تم الاتفاق على تبعية الإقليم للشمال كما هو الرأي الحكومي استنادًا لتعريف يرجع بتاريخ المنطقة إلى عام 1905، ولكن جرى الاتفاق على تشكيل إدارة مشتركة لها، بمعنى أن يحصل كل طرف على 50% من السلطة، وأن تتبع المنطقة رئاسة الجمهورية مباشرة (البشير وقرنق) ، والأمر نفسه يطبق على وضع العاصمة الخرطوم والتشريعات (تطبيق الشريعة مع إعفاء الجنوبيين) ، وعلى عملية التشريع المتشعبة ما بين برلمان مركزي موحد وآخر للولايات وغيرها لكل ولاية جنوبية وشمالية.
وقد حرصت الحكومة السودانية بذلك على إظهار نواياها الطيبة للسلام ونيتها تنفيذ الاتفاقات بغرض وحدة السودان والتي وصلت لحد تقديم تنازلات ضخمة اعتبرتها في إطار حسن النية، والتوازن بين الطرفين، وبقي الدور على قادة وحركة التمرد في الجنوب لإثبات نواياها، خصوصًا أن هناك تخوفات من أن تكون حركة التمرد لديها أجندة خفية للانفصال أو غيره من المخططات المتصلة بأهداف أجنبية.
ومن الواضح أن الحكومات العربية تتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية تجاه هذا الانحدار السوداني، والتنازلات الضخمة لصالح حركة التمرد، لأنها تركت الخرطوم وحيدة تواجه مؤامرات الغرب، وتركتها وحيدة تواجه ضغوط الولايات المتحدة وتدخلاتها في كافة تفاصيل مفاوضات السلام، وهي ترفع سلاح التهديد بالإرهاب، وبمحاكمة كبار المسئولين السودانيين أمام المحكمة الجنائية الدولية، حتي أن احتفال بدء الحكم الجديد لم يحضره أي زعيم عربي بما فيها مصر المجاورة التي أرسلت رئيس وزراءها، ما أثار استياء السودانيين في حين حضر عشرة رؤساء أفارقة، وكبار المسؤولين بالخارجية الأمريكية والأمم المتحدة والدول الأوروبية.
ويمكن القول بأن تحرك الولايات المتحدة تجاه السودان كان يقوم على السعي لمنع"أسلمة النظام"مع اختلاف الطرق التي اتبعتها كل إدارة أمريكية وفقًا لمصالحها مع النظام الإسلامي في السودان.
وقد لخص وزير الشئون الداخلية السوداني"أحمد محمد هارون"هذا التأرجح في العلاقات الأمريكية السودانية بين حالتي الشد والجذب، عندما صرح في وقت سابق بالقاهرة بأن بوش غير سياسة كلينتون (ومن قبله سياسة أبيه بوش الأب) القديمة القائمة على"شد الأطراف"عبر دعم حركات التمرد السودانية في شرق وجنوب وغرب السودان لتقطيع أوصاله، واتبع سياسة جديدة هي سياسة"تفكيك النظام"القائم عبر اتفاقيات سلام متعددة، تفكك أوصال السودان لصالح المتمردين!!.
فواشنطن سعت لمنع"أسلمة"النظام سلميًا، وتفتيته عبر سلسلة من اتفاقات السلام مع الجنوب والغرب والشرق كي تحيله في نهاية الأمر لدولة فيدرالية أو كونفيدرلية مترهلة، مترامية الأطراف، ومتعددة الأديان والأعراق والقبائل، ولا يسيطر عليها من ثَم الجنس العربي وحده، أو الشريعة الإسلامية، وقد برز ذلك جليًا في اتفاقات سلام الجنوب التي قصرت تطبيق الشريعة على الشمال والخرطوم دون الشرق والغرب والجنوب.
كما سعت للسيطرة بطرق مختلفة على بترول السودان، وتولي إدارة هذا البترول لصالحها، وظهر هذا أيضًا في اتفاقات سلام الجنوب الأخيرة (ماشاكوس ونيفاشا) التي أعطت للجنوبيين - وهم موالون تاريخيًا لواشنطن - السيطرة على نفط الجنوب لحد تغيير الشركات الآسيوية العاملة هناك بشركات أمريكية وفرنسية، والسعي عبر الضغط على الخرطوم في قضية دارفور وتمرد شرق السودان لإبعاد حكومة الخرطوم الإسلامية عن التحكم في ملف النفط السوداني.
فهل خسر السودان هويته بهذه الاتفاقات السلمية؟ وهل ينتهي الأمر لفصل الجنوب رغم هذه التنازلات الساعية لجعل خيار الوحدة جذابًا لدي الجنوبيين، وربما انفصال مناطق أخرى وفق الخطة الأمريكية، لتضييق الحصار في نهاية الأمر على الخيار الإسلامي في السودان؟
وهل يفطن أهل الحكم في السودان لهذه الخطط، أم أنهم يدركون الخطر ويتحسبون له ولهم حساباتهم الخاصة؟
المصدر: http://www.almoslim.net/figh_wagi3/show_report_main.cfm?id=636
مسخ الهوية الإسلامية الهدف المنتهى لأعداء الأمة
سامي سعيد حبيب
من مزايا شهر رمضان المبارك أعاده الله على الأمة بالخير والبركات والعزة والمنعة أنه معلم من معالم هوية هذه الأمة الربانية، ففيه أنزل القرآن إيذانًا بربط البشرية بخالقها من جديد بعد أن اجتالتها الشياطين عن الحنيفية السمحة، وفيه يتجلى البعد الروحي للعبادات في الإسلام كما لا يكون في سواه.
فبجانب الصيام الذي هو عبادة داخلية لا يعلم صدقها إلا الله ولا يجزي بها إلا الله وحده هدفها الأسمى تحقيق تقوى الله في النفوس تغص المساجد بالمصلين في رمضان، يؤدون الفرائض، ويقومون الليل تطوعًا، ويحافظ المسلمون على أورادهم القرآنية اليومية بشكل منتظم، وتكثر الزكوات والتراحم بين المسلمين حتى لقد سماه سيدنا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بشهر الزكاة.
كما يكثر المعتمرون لبيت الله الحرام أحد أعظم رموز الانتماء للربانية على وجه الأرض، حيث العمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما ويعتكف الكثير من المسلمين و ينقطعون عن الدنيا في العشر الأواخر من رمضان.
كما وقعت في شهر رمضان العديد من المعارك التاريخية الحاسمة التي غيرت مجرى التاريخ ومصير البشرية وأكدت على هوية هذه الأمة وعلى رأسها معركة بدرٍ الكبرى تاج معارك الإسلام ومرورًا بحطين وعين جالوت وغيرها الكثير، وانتهاءً بحرب العاشر من رمضان التي بددت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.