تتزاحم المشكلات التي تفرض على الأمة الإسلامية معالجتها بالمنهج القويم، وتتداخل القضايا التي تتطلب البحث والدرس بحلول واقعية تصمد أمام التحديات التي تتكاثر ويتعاظم أمرها ، في هذه الحقبة الدقيقة التي يجتازها العالم الإسلامي ، وفي هذه المرحلة الحرجة التي يمرّ بها المجتمع الدولي ، سواء على مستوى الحكومات والدول ، أو على مستوى المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية، أو على مستوى المؤسسات والهيئات الأهلية.
وكلما أمعنا النظر في المحيط الإقليمي والدولي ، وتأملنا الواقع المعاش في مختلف مستوياته ، وبما يحفل به من تناقضات تتصارع وأزمات تتصاعد ، نجد أن الخطر الأكبر الذي يتهدد الأمم والشعوب في هذا العصر ، هو ذلك الخطر الذي يمسّ الهوية الثقافية والذاتية الحضارية والشخصية التاريخية للمجتمعات الإنسانية في الصميم ، والذي قد يؤدي إذا استفحل ، إلى ذوبان الخصوصيات الثقافية التي تجمع بين هذه الأمم والشعوب ، والتي تجعل من كل واحدة منها ، شعبًا متميزًا بمقومات يقوم عليه كيانه، وأمة متفردة ً بالقيم التي تؤمن بها وبالمبادئ التي تقيم عليها حياتها.
ومهما تكن الألفاظ الجامعة التي يوصف بها هذا الخطر الذي بات اليوم ظاهرةً تكتسح مناطق شتى من العالم ، بما فيها المناطق الأكثر نموًّا والأوفر تقدّمًا في المجالات كافة ،وأيًا كانت طبيعة هذه الظاهرة وحجمها والأدوات التي تستخدم في تحريكها ، فإن مما لاشك فيه أن الهوية والثقافة بخصوصياتهما ومكوّناتهما ومقوّ ماتهما ، هما المستهدف في المقام الأول ، وأن الغاية التي يسعى إليها الماسكون
بأ زّمة السياسة الدولية في هذه المرحلة ، هي محو الهويات ومحاربة التنوع الثقافي ، والعمل على انسلاخ الأمم والشعوب عن مقوماتها ، لتندمج جميعًا في إطار النموذج الأمريكي الأقوى إبهارًا ، والأشدّ افتتاناّ في العصر.
وليست هذه ظاهرة ثقافية وفكرية وإعلامية فحسب ، كما قد يبدو من ظواهر الأشياء ، ولكنها ظاهرة سياسية في المقام الأول ، وظاهرة اقتصادية بدرجة أولى باعتبار أنّ الهدف النهائي الذي تسعى إليه القوى المسيطرة على مقاليد النظام العالمي - الذي هو في حقيقة الأمر نظام غربي المنزع أحادي الرؤية تقوده دولة واحدة انفردت بالقوم الضاربة وبالتحكّم في مسار السياسة الدولية - هو إخضاع حكومات العالم لمنطق القوة والهيمنة والسيطرة ، تحقيقًا لغايات ذاتية تتعارض مع القانون الدولي والقيم الإنسانية.
في ظل هذا المناخ الدوليّ غير المستقر ، يتعاظم الخطر الذي يهدد المجتمعات الإنسانية في خصوصياتها الثقافية والحضارية ، وفي أمنها الفكري والعقائدي وفي هويتها الوطنية وثقافتها القومية ، وهو خطر يتضاعف بقدر ما تتضاءل حظوظ النجاح في كسر صورة الاندفاع لقهر إ راداة الشعوب ،وكبح جماح جنون التطرّف في فرض النظام الأوحد على البشرية قاطبة .
ومن هنا يكون الحفاظ على الهوية الحضارية الإسلامية وعلى الثقافة الإسلامية ضرورة حياة وواجبا إسلاميًا في المقام الأول.
وحرصًا منا على ضبط المفاهيم أولًا ، وعلى بيان المعاني الدقيقة للمصطلحات وللألفاظ ، من أجل تحديد الإطار العام للعلاقة بين العناصر الأربعة الواردة في عنوان هذه الدراسة ، وهي:
الحفاظ ، الهوية ، الثقافة ، الرؤية المتكاملة ، فإننا سنتناول ستة محاور رئيسية، هي:
أولًا: معني الحفاظ على الشيء
ثانيًا: مفهوم الهوية لغويًا وفكريًا
ثالثًا: دلالة الثقافة ومضمونها
رابعًا: التحديات التي تواجه الهوية والثقافة .
خامسًا: العلاقة بين الهوية والثقافة.
سادسًا: شروط الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلاميتين.
أولًا: معني الحفاظ على الشيء:
في اللغة ، حافظ يحافظ محافظة وحفاظًا، على الأمر واظب عليه ، وحافظ عليه: صانه ووقاه ، وحافظ عليه راقبه وراعاه. وحافظ على عاداته ثبت عليه ولم يغيرها ، فهو محافظ ، وحافظ الرجل على وطنه دافع عنه ، والحفاظ هو الصائن والواقي. (1) .
فللحفاظ على الشيء إذن ، معنىً ينصرف إلى خمسة معا نِ فرعية هي: المواظبة ، والصيانة ، والوقاية ، والمراقبة ، والمراعاة ، ولا يكون لهذه المعاني جميعًا مدلول واقعي، إلاّ إذا اجتمعت ، وتداخلت ، وتكاملت إذا لا معنى للحفاظ على الشيء إذا لم يواظب عليه ، ويصان ، ويوقّى ، ويراقب ويراعى . ويبطل هذا المعنى الجامع الشامل ، إذا انتقى عنصر واحد من هذه العناصر الخمسة التي تدخل في ألفاظ على شيء من الأشياء.
ثم إن للحفاظ على الشيء وجوهٌ عدة ، وهو يتّم على مستويين ، المستوى الداخلي ، والمستوى الخارجي والحفاظ يكون غالبًا على ما يستحق الحفاظ عليه ، والمرء عادة يكون شديد الحرص على أغلى ما يملك وعلى أثمن ما يحوز ، ويبذل جهدًا في استمرار امتلاكه لما يحرص عليه ، ولا يدخر وسعا ً في الإبقاء على حيازته له ، ويسعى إلى الحيلولة دون صياغة منه ، أو تفريطه فيه ، ما وجد إلى ذلك سبيلًا.
وهذه الحالة الشعورية تنبثق من الاقتناع بالقيمة التي هي للشيء المحافظ عليه ، والتسليم بأهميته وجدواه وتنبع من الإيمان بقداسة ما يحافظ عليه ، إذا كان عقيدة أو مبدأ ، أو قيمة جوهرية نابعة من الدين ، وبنفاسة ما يحرص عليه ، إذا كان من المنقولات والمحفوظات المادية ، أو التي هي ذات الأصالة والعراقة . وهذا هو المستوى الداخلي للحفاظ على الشيء.
أما على المستوى الخارجي ، فإن الحفاظ على الشيء يتّم بإرادة ذاتية يعبّر عنها عملُُُ يسير في الاتجاه المؤدي إلي تحقيق المراد ، وتتوافر له شروط الجدية والفعالية والتأثير ، مع مراعاة مقتضيات الأحوال ، والتوفر على الإمكانيات الذاتية والموضوعية التي تسمح بالتغلّب على ما قد يعترض السبيل لتأمين الحفاظ على المبتغى ، من صعوبات ومعوّقات.
فالعمل من أجل الحفاظ على الشيء شرط لازمُ ، وكلما ارتفعت قيمة الشيء المحافظ عليه وغلا ثمنه المعنوي والمادي ، اشتدت الحاجة إلى العمل القائم على الإرادة القوية ، والتدبير الحكيم والدقة في تحديد الهدف . ولا أهمية لعمل لا يسعى إلى الحفاظ على شيء ،إذا لم يلتزم هذه الشروط ، ويسير في هذا الاتجاه الصحيح.
وبقدر ما يكون العمل للحفاظ على الشيء ، جدّيًا ومتقنًا وفاعلًا ، ومؤثرًا تكون فرص الوصول إلى الهدف أكثر سنوحًا . وبذلك يتم الحفاظ على المرغوب فيه على نحو يُوصل إلى القصد.
ويقتضي العمل على هذا الصعيد ، الوقوف على الظروف المحيطة ، والمناخ السائد ومعرفة العوامل المؤثرة سلبًا وإيجابًا في السعي نحو الغاية المبتغاة ، لأنّ الارتباط بالشيء ، أيّا كانت طبيعته ، عن معرفة عميقة ، أدعى إلى التشبث به، والحفاظ عليه . كما يُشترط في هذا المجال ، القيام بالواجبات التي يقتضيها الحفاظ على ما يرغب فيه،ويحرص عليه سواء عن إيمان واعتقاد، أو عن حاجة ومصلحة ، أو استجابة لضرورة من ضرورات الحياة.
وهذان المستويات ، الداخلي الذاتي والخارجي الموضوعي ، يتكاملان ولا ينفصلان ، وتداخلان ولا يتقاطعان ، وهما أقوى ما يكونان تكاملًا وارتباطًا عندما يكون المحافظ عليه ، أو المرغوب في الحفاظ عليه ، من المبادئ والمقدسات ، ومن القيم والمقوّمات، ففي هذه الحالة يكون الأمر يتعلق بأحد الواجبات الشرعية التي تعلو فوق كلّ الواجبات.
ثانيًا: مفهوم الهوية لغويًا وفكريًا: