فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 719

إن فهمنا للهوية ينبني على تراثنا الحضاري، فالهوية في ثقافتنا العربية الإسلامية هي الامتياز عن الأغيار من النواحي كافة0 ولفظ الهوية يطلق على معان ثلاثة: التشخص، والشخص نفسه، والوجود الخارجى0 وجاء في كتاب (الكليات) لأبى البقاء الكفوي، أن ماهية الشيء هو باعتبار تحققه يسمى وذاتًا، وباعتبار تشخيصه يسمى هوية، وإذا أخذ أعم من هذا الاعتبار يسمى ماهية 0 وجاء في هذا الكتاب أيضا أن الأمر المتعقل من حيث إنه معقول في جواب (ما هو) يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن امتيازه عن الأغيار يسمى هوية (2) 0

والهوية عند الجرجانى في ( التعريفات) الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق (3) 0

وتستعمل كلمة (هوية) في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة Identity density التي تعبر عن خاصية المطابقة: مطابقة الشي لنفسه، أو مطابقة لمثيله (4) وفى المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون، فالهوية هي: حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تميز عن غيره، وتسمى أيضا وحدة الذات0

ولذلك فإذا اعتمدنا المفهوم اللغوي لكلمة (هوية ) ، أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشمل الامتياز الامتياز عن الغير، والمطابقة للنفس، أي خصوصية الذات، وما يتميز الفرد أو المجتمع عن الأغيار من خصائص ومميزات ومن قيم ومقومات0

وخلاصة الأقوال إن الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، هي القدر الثابت، والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية الوطنية أو القومية ، طابعًا تتميز به عن الشخصيات الوطنية والقومية الأخرى (5) 0

فكيف يتسنى المحافظة على الهوية الثقافية والحضارية في ظل الباسطة نفوذها اليوم على المجتمع الدولي؟ بل كيف يمكنكم التوفيق ُ بين مقتضيات السيادة الوطنية ، وبين متطلبات العولمة؟.إن اتجاهات العولمة تسير نحو التأثير السلبي على الهوية والسيادة معًا . وأول ما يثير الانتباه عن التأمل في موقف الغرب من هويات الشعب، هو جمعه بين موقفين متناقضين ، فهو من جهة شديد الاعتزاز بهويته حريص عليه ، وهو من جهة ثانية رافضُ للاعتراف بالهويات الوطنية لشعوب العالم ، لإحساسه بأن العولمة من شأنها أن تؤدي إلي مزيد من الوعي بالخصوصية الثقافية والحضارية . وتلك في نظر الغرب عمومًا هي المعضلة الكبرى التي يصدم بها . ويعبّر مفكروه عن هذه الحيرة الفكرية ، بوضوح وصراحة لا مزيد عليهما.

ففي دراسة لصمويل هنتنجتون (SAMUEL HUNTINGTON ) لم يُسلط عليهما الضوء كما جرى معي دراسة له سبق سابقة ، يتبين التناقض الذي تقع فيه القوة الجديدة المنفردة بزعامة العالم ، وتنضح الحيرة العاصفة التي تسود مجتمع النخبة في الغرب . فقد كتب هنتنجتون في عدد شهري ( نوفمبر - ديسمبر 1996 ) من مجلة ( شؤون خارجية ) (6) ، دراسة تحت عنوان مثير للغرابة فعلًا: الغرب: متفرد وليس عالميا ًUnique Not universal west The ،يفرق فيها بين ( التحديث ) Modernization وبين (التغريب) westernization ، ويقول: إن شعوب العالم غير الغربية لا يمكن لها أن تدخل في النسيج الحضاري للغرب حتى وإن استهلكت البضائع الغربية وشاهدت الأفلام الأمريكية واستمعت إلى الموسيقى الغربية ، فروح أي حضارة هي اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد ، وحضارة الغرب تتميز بكونها وريثة الحضارات اليونانية والرومانية والمسيحية الغربية ، والأصول اللاتينية للغات شعوبها ، والفصل بين الدين والدولة ،وسيادة القانون ، والتعدّ دية في ظل المجتمع المدني ، والهياكل النيابية ، والحرية الفردية.

ويضيف قائلًا: إن التحديث الاقتصادي لا يمكن أن يحققا التغريب الثقافي في المجتمعات غير الغربية ، بل على العكس ، يؤديان إلى مزيد من التمسك بالثقافات الأصلية لتلك الشعوب . ولذلك فإن الوقت قد حان لكي يتخلي الغربً عن وهم العولمة ، و'ن ينمّي قوة حضارية وانسجامها وحيويتها في مواجهة حضارات العالم . وهذا الأمر يتطلب وحدة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، ورسم حدود العالم الغربي في إطار التجانس الثقافي.

فهل هذه العولمة التي تسعى إلى تذويب الهويات وطمس معالمها وتهجينها هي صيغة جديدة من صيغ المواجهة الحضارية التي يخوضها الغربُ ، بالمفهوم العام للغرب ، ضد هويات الشعوب وثقافات الأمم ،ومن أجل فرض هيمنة ثقافة واحدة ، وإخضاع العالم لسيطرة حضارة واحدة ؟.

إن الهوية المفروضة على المجتمع الدولي بهذا المفهوم تتعارض ُ - تعارضًا تامًا مع قواعد القانون الدولي ، ومع طبيعة العلاقات الدولية ،بل أنها تتعارض كلية مع سنة التعدّد التي هي من السنن الإلهية، ومع قانون التنوّع الثقافي . والعولمة إذا سارت في الاتجاه المرسوم لها ستكون إنذارًا بانهيار وشيك للاستقرار العالمي ، لأن هذه الهوية المفروضة على المجتمعات الإنسانية والتي تسير في ركب العولمة بهذا المضمون ، تضرب الهوية الثقافية والحضارية في الصميم وتنسف أساس التعايش الثقافي بين الشعوب . كما أن العولمة بهذا المفهوم الشمولي ذي الطابع القسري ، ستؤدى إلى فوضى على مستوى العالم ، في الفكر والسلوك وفي الاقتصاد والتجارة ، وفي الفنون والآداب ، وفي العلوم والتكنولوجيا أيضًا.

وعلى الرغم من ذلك كله ، فإن الإنسانية لا تملك أن تتحرر في الوقت الراهن من ضغوط العولمة الكاسحة للهويات والطامسة للخصوصيات ، نظرًا إلى حاجتها الشديدة إلى مسايرة النظام العالمي الجديد في اتجاهاته الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية ، ومواكبة المتغيرات الدولية في هذه المجالات جميعًا ولكنها تستطيع إيجاد تيار ثقافي إنساني مضاد يقف في مواجهة روح الهيمنة التي تنطوي عليها هذه العولمة فكرةً ونظامًا ، وتطيبقًا وممارسةً ، وفي التعامل مع الآثار المترتبة عليها ، في انتظار بروز قوى عالمية جديدة ستكون مناوئة للقوة المتحكمة حالياّ في مقاليد النظام العالمي ، أو على الأقل منافسة لها منافسة النّد للند.

إن طائفة من علماء المستقبليات ومن الدراسيين الاستراتيجيين ، ومعظمهم من الغرب نفسه يذهبون إلى القول بأن تطورًا حاسمًا سيقع في ميزان القوى العالمية على المستويين السياسي والاقتصادي في العقد الأول من القرن القادم ، وسيترتب على ذلك ، انقلابُ جذري في توجهات العولمة، وهو الأمر الذي سيكون تعزيزًا وترسيخًا وإعلاءً للشرعية الدولية القائمة على قواعد القانون الدولي ، لا على منطق القوة والغلبة والظفر في معارك الحرب الباردة (7) .

ثالثًا: دلالة الثقافة ومضمونها:

الثقافة هي روح الأمة وعنوان هويتها، وهى من الركائز الأساسية في بناء الأمم وفي نهوضها فلكل أمة ثقافة تستمد منها عناصرها ومقوماتها وخصائصها ، وتصطبغ بصبغتها، فتنسب إليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت