فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 719

وكل مجتمع له ثقافته التي يتسم بها، ولكل ثقافة مميزاتها وخصائصها . ويعرف التاريخُ الإنساني الثقافة اليونانية ، والثقافة الرومانية ، والثقافة الهلينية ، والثقافة الهندية ، والثقافة المصرية الفرعونية ، والثقافات الأفريقية وثقافة أمريكا اللاتينية، والثقافة الفارسية. ولما استلم العرب زمام القيادة الفكرية والثقافية والعلمية للبشرية في القرن السابع للميلاد ،ة واستمروا في مركزهم المتميز إلى القرن الخامس عشر منه، عرف العالم الثقافة العربية الإسلامية في أوج تألقها ، حتى إذا ما تراجع العرب والمسلمون عن مقدمة الركب الثقافي العالمي ودبّ الضعف في كيانهم ، وتوقفوا عن الإبداع في ميادين الفكر والعلم والمعرفة الإنسانية ،انحسر مدّ ثقافتهم ،وغلب عليهم الجمود والتقليد ، وضعفوا أمام تيارات الثقافة الغربية العاتية التي أثرت بقوة في آدابهم وفنونهم وطرق معيشتهم.

والثقافة كلمة عريقة في اللغة العربية أصلًا فهي تعني صقل النفس والمنطق والفطانة ، وفي القاموس المحيط: ثقف ثقفًا وثقافة، صار حاذقًا خفيفًا فطنًا ، وثقفه تثقيفًا سوّاة، وهي تعنى بتثقيف الإنسان ، تسويته فكرًا ووجدانًا وتقويمه سلوكًا ومعاملة.

واستعملت الثقافة في العصر

الحديث للدلالة على الرقّي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات .والثقافة ليست مجموعة من الأفكار فحسب ولكنها نظرية في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالًا ، وبما يتمثل فيه الطابع العام الذي ينطبع عليه شعبُ من الشعوب ، وهي الوجوه المميزة لمقومات الأمة التي تميّزُ بها عن غيرها من الجماعات ، بما تقوم به من العقائد والقيم واللغة والمبادئ، والسلوك والمقدسات والقوانين والتجارب . وفي الجملة فإن الثقافة هي الكلُّ المركّب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات (8) .

وتتميز الثقافة عمومًا بعدة خصائص ، منها:

1.أنها ظاهرة إنسانية ، أي أنها فاصل ُُُ نوعيُّ بين الإنسان وسائر المخلوقات لأنها تعبير عن إنسانيته ، كما أنها وسيلته المثلي للالتقاء مع الآخرين .

2.أنها تحديدُ لذات الإنسان وعلاقاته مع نظرائه ، ومع الطبيعة ومع ما وراء الطبيعة ، من خلال تفاعله معها ، وعلاقاته بها ، في مختلف مجالات الحياة.

3.أنها قوام الحياة الاجتماعية وظيفةً وحركةً ، فليس من عمل اجتماعي أو فنيّ جمالي أو فكري يتم إنسانيًا خارج دائرتها . وهي التي تيسّر للإنسان سبل التفاعل مع محيطة مادةً وبشرًا ومؤسسات.

4.أنها عملية إبداعية متجدّدة ، تُبدع الجديد والمستقبليُ من خلال القرائح التي تتمثلها وتعبّر عنها ، فالتفاعل مع الواقع تكييفًا أو تجاوزًا نحو المستقبل، من الوظائف الحيوية لها.

5.أنها إنجاز كمّي ُ مستمر تاريخيًا ، فهي بقدر ما تضيف من الجديد ، تحافظ على التراث السابق ، وتجدّد قيمه الروحية والفكرية والمعنوية ، وتوحّد معه هوية الجديد روحًا ومسارًا ومثلًا ، وهذا هو أحد محركات الثقافة الأساس، كما أنه بُعدُ أساسُ من أبعادها (9) .

وتتسم الثقافة العربية الإسلامية أساسًا بسمتين: أولهما هي سمة الثبوت فيما يتعلق بالمصادر القطعية ، وما جاءت به من عقائد وتشريعات وقيم ومناهج وثانيتهما هي سمة التغيير فيما يتعلق باجتهادات المسلمين وإبداعاتهم القابلة للصواب والخطأ ،وبالتالي الاختلاف ، فالجانب القطعيُّ في الثقافة العربية الإسلامية ،يتسم بما يتسم به الإسلام من خصائص بصفته دينًا ومنهاجًا للحياة . وتتجلى هذه الخصائص في: العالمية، والشمولية، والوسطية ، والواقعية ، والموضوعية ، والتنوع في الوحدة (10) .

ومصادر الثقافة العربية الإسلامية هي القرآن الكريم والسنة النبوية باعتبارهما المعين الأساس للعلوم الإسلامية واللغة العربية ، والمرجع الذي يهتدي به المسلم في بحثه عن الحقائق في مجالات المعرفة والوجود والقيم، وفي ما يتعلق بالفكر والواقع والنظر والسلوك.

والقرآن الكريم يُعدُّ المصدر الأساس للثقافة العربية الإسلامية بفضل ما ورد فيه من تعاليم دينية وأخلاقية واجتماعية ، ولكونه صالحًا لكل زمان ومكان ومسايرًا لمتطلبات كل عصر ومستجداته.

وتشكّل السنة النبوية المصدر الثاني الأساس للثقافة العربية الإسلامية . وكما اعتمد المسلمون في نهضتهم الفكرية والعلمية والحضارية على القرآن ودعوته ، اعتمدوا كذلك على سنة نبيهم بعد أن جمعوها ودوّنوها وفصّلوا أبوابها واستثمروها في جهودهم العملية ومناهجهم المعيشية . وبذلك تكون الثقافة العربية الإسلامية المنطلقة أساسًا من القرآن والسنة ثقافة إنسانية متفتحة ، داعية إلى التعايش والحوار والتفاهم (11) .

ويستنتج من هذا كله أن الثقافة العربية الإسلامية تختلف عن الثقافات الأخرى في أن مقوّمات كلً منها تختلف عن الأخرى، فالثقافة العربية الإسلامية إسلامية المصدر ، تستمدّ كيانها من القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة العربية ، واجتهادات العلماء ، وعصارة الثقافات التي اختلطت بها وامتزجت عناصرها معها ، بينما نجد الثقافة الغربية على وجه الإجمال ، تستمد ّ مصادرها من الفكر اليوناني، والقانون الروماني ، والأدب اليوناني، واللغة اللاتينية ، وتفسيرات المسيحية التي وصلتها (12) .

ولقد وازنت الثقافة العربية الإسلامية بين جوانب العقل ، وجوانب الوجدان ، ورفضت الإعلاء من شأن العقل على نقيض من النقل ، وإعلاء الصوفية للوجدان ، وحافظت على المفهوم المتكامل الجامع. كذلك فقد حرصت الثقافة العربية الإسلامية على ارتباطها بالمصدر الأول من القرآن والسنة على مدى مراحلها (13) . ولم يقع الانفصام بين الجانبين في الثقافة العربية الإسلامية إلاّ في هذا العصر ، وهذا الانفصام هو أحد عوامل ضعفها اليوم. والثقافة العربية الإسلامية عربية في لغتها ، إسلامية ُ في جذورها إنسانية ُ في أهدافها وهي كشأن كل ثقافة تتكون من مقومات أساس: فكرية وروحية ، أهمها العقيدة، وهي الإسلام واللغة العربية وآدابها والتاريخ والتراث ، ووحدة العقلية والمزاج النفسي . وقد تأكّد أنه لا يمكن لأية ثقافة من الثقافات أن تنمو ، إلاّ إذا كانت ذات صلة بدين من الأديان ، فالدين هو الذي يكسب الحياة الاجتماعية معناها ، ويمدّها بالإطار الذي تصوغ فيه اتجاهاتها وآمالها (14) .

واللغة العربية مقوّم أساس من مقومات الثقافة العربية الاسلامية، ذلك أن العربية ليست لغة أداة فحسب، ولكنها لغة فكر أساسًا0 وحتى الشعوب والأمم التى انضوت تحت لواء الاسلام، وإن كانت احتفظت بلغتها الوطنية ، فإنها اتخذت من اللغة العربية وسيلة للارتقاء الثقافى والفكرى، وادخلت الحروف العربية الى لغاتها فصارت تكتب بها0

ومن اقوى مقومات الثقافة العربية الاسلامية الايمان بالأمة، والثقة فيها0 وهذا الإيمان لابد أن يستمد قوته مكن الإيمان بالله، لأن الإيمان بالله هو الأصل، وهو الينبوع الذى ينبغى أن تًبنى عليه العقيدة، ومن أجله هذه العقيدة أن يؤمن الانسان بأمته، وأن يؤمن العربى والمسلم بأن أمته خير أمة أخرجت للناس0 والإيمان في الاسلام، كما في الأديان السماوية - التى جاء بها الرسل- قد دعاء إلى المحبة والإخاء، وهو في الإسلام بصفة خاصة، يعلم المساواة بين الناس والعطاء قبل الأخذ0 ولذلك فإن التربية الدينية يجب أن تكون أساسًا للثقافة العربية الإسلامية (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت