والثقافة العربية الإسلامية ليست مجردة، فنحن لانكتفى فيها بالبحث عن أصول الأشياء ولا عن حقائقها وحدها، ولانبحث فيها بحثًا مجردًا، لأن الثقافة جزء من الإنسان، فإذا كان العقل يغذيها، فإنها لاتتبع من العقل وحدة، وإنما تنبع في النفس البشرية، وتنبع في الأحاسيس وتنبع في الذوق، وتنبع أكثر من ذلك في الوجدان، بل هى أيضًا تتصل بالدجانب الأساس الذى ميز الله به الإنسان عن الحيوان، ألا وهو الضمير 0 إن الثقافة تتصل بالضمير، والضميرُ أعمق وأروع من العقل (16) 0
والضمير الإسلامى هو منبع الثقافة العربية الإسلامية0 ولذلك فهى ثقافة الوجدانت الإنسانى وتلك أهم مميزاتها وأوضح خصائصها0
وعلى هذا الاساس، فإن الثقافة العربية، هى ثقافة الأمة العربية، التى هى أمة اإسلام الذى منه اكتسبت صبغتها، وحملت صفتها، واستندت طبيعتاه0 فلم يكن لهذه الأمة كيانٌ قائم الذات قبل الإسلام ، وإنما كانت قبائل وعشائر لاتجمعها عقيدة، ولايوحدها إيمانٌ برسالة سماوية، حتى إذا بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالإسلام، كان هذا الدينُ الحنيف هو الر سالة الخالدة للعرب0
ولكن كانت الثقافة العربية إسلامية الروح والأصول، مع ذلك ثقافة استوعبتى كل الأمم والشعوب التى انضوت تحت لواء الأمة العربية الإسلامية، ووسعت كل الثقافات التى تعايشت معها، فصارت بذلك ثقافة العرب المسلمين، وثقافة العرب ابلنصارى واليهود، وثقافة كل أهل الأديان وطوائف الملل والنحل التى اندمجت في الكيان العربى الإسلامى، وعاشت في ظل الدولة العربية الإسلامية عبر الأومنة والعصور0
إن انتشار الثقافة العربية الإسلامية في مختلف البلاد التى دخلها الإسلامية، جعل كثيرًا من معالم الثقافات المحلية القائمة تتكيف مع مقومات الثقافة العربية الإسلامية، فأصبحت العادات والتقاليد وألعراف تنسجم في غالب الأحيان مع ثوابت الثقافة العربية الإسلامية، حتى ولو أختلفت فيما بينها في الممارسة والتطبيق، على أن هذا الاختلاف لايصل الى مجال العقائد والقيم والمقاصد، كما هو الشأن مع الثقافات غير الإسلامية القديمة والحديث (17) 0
وبذلك تكون أهم خاصية تتميز بها الثقافة العربية، أنها امتزجت بالثقافات الأخرى التى كانت سائدةى في عهود الإسلام الأولى، وتفتحت لعطاء الأجناس والأقوام وأهل الديانات والعقائد التى تعايشت مع المجتمع العربى الإسلامى، فصارت بذلك ثقافة غنية المحتوى ، متعددة الروافد، متنوعة المصادؤر، ولكنها ذات روح واحدة، وهوية متميزة متفردة0
كذلك فإن من أهم خصائص الثقافة العربية الإسلامية الانفتاحَ على الثقافات الشرقية والغربية، مع المحافظة على الأصول الثابتة من دون تجاوزها0 وقد واجهت الثقافة العربية الإسلامية مديدًا من التحديات في تاريخا الطويل ، وهى تحديات المذاهب الفلسفية والأديان والدعوات المختلفة التى كان يزخر بها العالم إبان بعث الإسلام، من بوذية، ومجوسية، ووثنية، وهلينية، وهندية، وغارسية، وقد تحولت هذه المذاهب والفلسفات الى قوى غازية، وحاولت جميعها إثارة الشبهات وتحريق القيم الأساس، والإضرار بالأمة والدولة العغربية الإسلامية والفكر جميعًا (18 ) ) ولكن الثقافة العربية الإسلامية إنتصرت على هذه التحديات في الماضى بفضل مقوماتها الصلبة وخصائصها المتفردة0
ولقد أكسبَ هذا الامتزاج والتلاقح الثقافية العربية الإسلامية ثراءً وغنى، وقوة ومناعة، وهى خاصية فريدة وميزةٌ تكاد أن تكون فريدة في التاريخ الثقافى الإنسانى 0 ويأتى مصدرُ هذا التنوع الذى يطبع الثقافة العربية الإسلامية التى من خصائصها الترغيبُ في طلب العلم، والحثُ على النظر والتفكير، والحضُ على التماس الحكمة من أى وعاء أو مصدر كانت، والدعوةُ إلى التعارف بين الأمم والشعوب بما يقتضيه ذلك من تقارب بكل معانيه، إلى جانب النهى عن الإكراه في الدين، وهو المبدأ القرآنى الذى يمكن أن يكون قاعدة للتعايش الثقافى والفكرى في إطار وحدة الأصل الإنسانى، وهو المبدأ الأصل الذى يختزل كل معانى حرية الفكر التى هى نقيض فوضى الفكر المؤدية وبصورة تلقائية، الى بؤس الفكر المفضى بدوره الى بؤس الثقافة (19) 0
رابعًا: التحديات التى تواجه الهوية والثقافة:-
تتعدد مصادر التحديات التى تواجه الهوية، بقدر ماتضعف المناعة لدى الفرد والمجتمع0 ولكن المصدر الأساس الذى يأتى منه التحدى الأكبر لهوية الأمم والشعوب كافة، يكمن في السياسة الاستعمارية الجديدة التى تسود العالم اليوم، والتى ترمى إلى تنميط البشر والقيم والمفاهيم وفق معاييرها الجديدة، واسعى إلى صياغة هوية شمولية تفرضها في الواقفع الإنسانى، في إطار مزيف من التوافق القسرى والاجماع المفروض بالقوة0
والخطورة في هذا الأمر، أن قوة الإبها التى تُطرح بها هذه الهوية الشمولية ذات المنزح الغربى، والأمريكى تحديدًا، تعمى الأبصار عن رؤية الحقائق على الارض كما هى، مما يؤدى إلى توهم أن هذه الهوية المغشوشة، هى الهوية العصرية ، الهوية الكونية، هوية التحديث والمدنية، الهوية التى ينبغى أن تسود وتقود، ولا هوية الجمود والهمود0
أما كونها هوية عصرية ، فهذا صحيح من بعض الوجوه ، لأنها مفروضة على هذا العصر بقوة الهيمنة والسيطرة والغلبة، وأما كونها هوية كونية، فهذا أبعد مايكون عن حقائق الأشياء لأن في العالم هويات متعددة، بقدر مافيه من ثقافات وحضارات، أما أنها هوية التحديث والمدنية، فينبغى أن نفهم جيدًا أن للحداثة دلالات ومفاهيم ومستويات، فمنها حداثة مادية، وضعية، مقطوعة الصلة بالدين، ومنها حداثة أخلاقية، إنسانية بانية للإنسان بعناصرة المتكاملة وللحضارة في أبعادها المادية والروحية0
كذلك شأن المدينة فهى على درجات متفاوتة، فليست كل مدنية تُحمد، وهى على كل حال، حمالة أوجه، ففى الحرب العالمية الأولى والثانية، سقط ضحية المدنية في أوربا واليابان عشرات الملايين من البشر ، وفى هذه المرحلة من التاريخ، تندلع الحروب، وتحتل الدول وتقهر الشهوب ، وترتكب الجرائم ضد الإنسانية بأسم المدينة ايضًا0
لذلك فإن إضفاء صفة المدنية على هذه الهوية الغازية المركبة من عناصر متناقصة والمنطوية على روح العدوان على السيادة الثقافية للأمم واستغفالها والاستهتار بها، تضليل للرأى العام العالمى، وتزوير لإرادة الشعوب، وتزييف للحقائق، واستتهتار بالقيم الإنسانية، وانتهاك للقوانية الدولية، ودفع بالعالم نحو مزيد من الطوارث والحروب والصراعت0
إن إلزام العالم بأسرة، بانتهاج نظام سياسى واقتصادى واجتماعى وثقافى واحد، هو عمل ضد سنن الله في خلقة، بقدر ما هو خروج على منطق التاريخ وقانون الطبيعة، ولئن كان مصير هذه السياسة الاستعمارية الجديدة سائرًا إلى إفلاس لامحالة، فإن هذا لايمنع من استمرارها إلى أمد قد يطول في طمس الخصوصيات الثقافية والحضارية للهويات الوطنية للأمم والشعوب في المديين القريب والبعيد0 ولذلك نقول إن الخطر الذى يتهدد الهوية الحضارية والخصوصيات الثقافية، خطر حقيقى واقع فعلًا، ويزحف نحو المزيد من الغزو والاكتساح والعدوان، وهو حقيقة واقعية قائمة في حياتنا، نعيشها ونشاهد آثارها المدمرة للعقل والوجدان، والمهددة لسلامة الكيان الإسلامى بصورة عامة، باعتبار أن الحرب ضد الكيان الإسلامى بصورة عامة، أن الحرب ضد الهوية، يقصد بها تمهيد الطريق نحو فرض الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والثقافية0