لقد استبدل الغرب، خاصة القوى الاستعمارية الجديدة، بالركائز الثقافية والدينية القديمة مقولات جديدة تضع الأخلاق في خدمة الهيمنة والعنف، والدين في خدمة نظام رأسمالى منتصر، والثقافة وقيمتها في خدمة فلسفة القوة، وقد باتت نظرة الغرب إلى ذاته تتسم بنرجسية مرضية يلازمها خوف دائم من فقدان السيطرة والدخول في مرحلة الافوال والانحطاط، كما قال بذلك أكثر من فيلسوف أوربى وأمريكى،فى أكثر من كتاب ومقالة (20)
خامسًا: العلاقة بين الهوية والثقافة:-
ثمة علاقة وثيقة بين الهوية والثقافة، بحيث يتعذر الفصل بينهما ،إذ أن ما من هوية إلا وتختزل ثقافة ، فلا بدون منظور ثقافي ، ولا تستند إلى خلفية ثقافية ، والثقافة في عمقها ، وجوهرها ، هوية قائمة الذات.
وقد تتعدّد الثقافات في الهوية الواحدة ، كما أنه قد قد تتننوّ ع الهويات في الثقافة الواحدة ، وذلك ما يعبّر عنه بالتنوّع في إطار الوحدة ، فقد تنتمي هوية شعب من الشعوب إلى ثقافات متعددة ، تمتزج عناصرها ، وتتلاقح مكوّ ناتها ، فتتبلور في هوية واحدة . وعلى سبيل المثال ، فإن الهوية الإسلامية تتشكّل من ثقافات الشعوب والأمم التي دخلها الإسلام سواء اعتنقته أو بقيت على عقائدها التي كانت تؤمن بها ،ة فهذه الثقافات التي امتزجت بالثقافة العربية الإسلامية وتلاحقت معها ، العربية الإسلامية ، فهي جماع هويات الأمم والشعوب التي انضوت تحت لواء الحضارة العربية الإسلامية، وهي بذلك هوية إنسانية ، متفتحة ، وغير منغلقة.
وفي زمن تُفرض فيه العولمة الغازية للهويات والماحية للخصوصيات الثقاقفية علة العالم يفترض أن تخلق الحداثة بنزوعها الكوني ثقافة عالمية وكونية . وإذا كانت صور من هذه الثقافة قد تخلقت عبر العالم خلال تاريخ الحداثة ، فإن الصورة المعاصرة من عولمة الحداثة قد عجّلت بتكوين هذه الثقافة . ولا تفهم ثقافة العولمة إلاُّ في ضوء مفهوم الثقافة المحلية والوطنية . فتلك الأخيرة تتكون من جماع أسالبيب السلوك والأفكار والرموز والفنون التي تميّز شعبًا من الشعوب ، وعلى الرغم من تنوعّها الداخلي تتميّز الثقافة الوطنية بالتجانس ، أما ثقافة العولمة فإنها الثقافة التي تتجاوز الثقافة الوطنية ، متخطية حدود الول، وتنتشر من خلال آليات تدفق السلع والأفراد والمعلومات والمعرفة والصور (21) .
وثقافة العولمة التي تتحدي الهوية والثقافة الوطنيتين ، هي ذات الخصائص التالية:
أ) فهي ثقافة يصاحبها في الغالب خطاب تقني وعملي ، فهي تنقل عبر الوسائل الاتصالية الحديثة ، وهي بذلك مصنوعة بحساب.
ب) وهي نخبوية ، تُفرض من أعلي ، من دون أن تكون لها قاعدة شعبية ، أو تعبر عن حاجات محلية ، أو تلتزم بأشكال ومضمون التراث اللثقافي التي تنتقي منه.
ت) وإذا كانت ثقافة العولمة ثقافة نخبوية ، فإنها نساعد على تركّز القوة. والقوة هنا ليست قوة سياسية فحسب ، بل قوة التكنولوجيا المرتبطة بالمشروعات الصناعية ذات الصبغة الكونية كشبكات الحاسوب والإنتنيت ، وهي ما يطلق عليه تقنيات العولمة TEChnologios
ث) وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بثقافة الاستهلاك Consumer culture ، فالعمليات المرتبطة بنشر الحداثة تساعد على نشر القيم والرموز وأساليب السلوك المرتبطة بالاستهلاك .
ج) وهي ثقافة تعمل على خلق نمازج وصيغة موحدة عبر العالم ، كما تدعم نظامًا للصور الذهنية l mages .حول موضوعات خاصة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالسوق الرأسمالي (22) .
ح) وتنطوي ثقافة العولمة التي تنبثق من الحداثة المادية بخصائصها تلك ، على مخاطر عديدة تتهدّد الهوية والثقافة الوطنيتين في آن واحد ، مما يؤكد قوة الترابط والتلازم بين الهوية والثقافة أيًا كانتا ،وهو الأمر الذي يستدعى تقوية العلاقة بين العنصرين الرئيسيْن من عناصر الكيان الوطني للأمم والشعوب: الهوية والثقافة لأن في الحفاظ على الهوية والثقافة وقايةً من السقوط الحضاري ، وصيانة ً للذات ، وتعزيزًا للقدرات التي يمكن التصدّيّ بها لضغوط التحدّيات مهما تكن.
سادسًا: شروط الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلاميتين:
ينبغي أن ننظر إلى الواقع الثقافي والفكري والإعلامي في عامنا من زاوية واسعة ،حتي تتضح لنا الصورة العامة ، وتتبين حقائق الأمور أمام أعيننا ، فنحن نقف اليوم أمام تيار كاسح جارف مندفع ، لا نملك إزاءه إلاُّ التعامل معه بحكمة ويقظة ،ة لأننا لانمتلك شروط المواجهة معه ، ولكننا نتوفر على شروط موضوعية لمواكبته ، والاندماج فيه ، و وللإسهام من موقعن الثقافي والحضاري ، في بناء عالم جديد قوامه العدل والسلام ، والتعايش والتسامح ، والتعاون الإنساني في إطار القانون الدولي ، وتحت مظلة الأمم المتحدة. فهذا هو الأسلوب العملي لتوقي مخاطر العولمة ، وللتغلب على الصعاب والتحدّيات الناتجة عنها ، وللحفاظ على خصوصياتنا الثقافية والحضارية.
إن المنهج الذي ندعو إلى اعتماده في معالجة المشكلات الناتجة عن اكتساح نظام العولمة للهوية والثقافة الإسلاميتين في هذه المرحلة الدقيقة ، يقوم على قاعدة التكامل في البحث عن الحلول للأزمات الحضارية والمشكلات الثقافية ، وينطلق من الرؤية الشمولية إلى الواقع المعيش ، بحيث لايمكن بأي حال ، الفصل بين الأوضاع السياسة والاقتصادية والاجتماعية ، وبين الأوضاع الثقافية والفكرية والإعلامية ، لأنه لاسبيل إلى تقوية الذات بتحصين الهوية والثقافة العربية والحفاظ عليهما ، في ظل أوضاع غير منسجمة مع طموح الأمة، وفي ظروف ليست مواتية، من نواحي كافة .
أن العالم الإسلامي محكوم بظروف صعبة على الأصعدة جميعًا، وينبغي أن نكون صرحاء مع أنفسنا ، نسلم بأن الدولة السبع والخمسين الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، تعاني من مشكلات اقتصادية صعبة ، وبعضها، بل أغلبها، يحتلّ المرتبة الدنيا في السجل الذي تنشره الأمم المتحدة في تقريرها السنوي عن التنمية البشرية في العالم، وتنصف غالبية هذه الدول ضمن الدول ضمن الدول التي تعيش تحت خط الفقر ، إلى جانب المشكلات السياسية التي تعم معظم االبلدان الإسلامية، والتي تنتج عن الازمات والصراعات والحروب، مما يتسبب في عدم الاستقرار، وفي ضياع فرص التنمية، وفي هدر الطاقات والقدرات .
ولا مجال للحديث عن الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلاميتين في ظلّ هذه الأوضاع ، فالمجتمعات الضعيفة الممتخلفة عن ركب التقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، لا تقوى على الدفاع عن خصوصياتها الثقافية وموروثها الحضاري، ولا تملك أن تصدّ الغارات الثقافية والإعلامية التي تواجهها من كل حدب وصوب، ولن تسطيع أن تقف صامدةً في معترك السياسة الدولية بأمواجها المتلاطمة، حفاظًا على مصالحها الحيوية .
ولذلك نرى أن السبل التي يتعيّن على العالم الإسلامي أن يسلكها للحفاظ على هويته وثقافته الإسلاميتين،هي ما يلي:
أولًا: إصلاح الأوضاع العامة إصلاحًا رشيدًا شاملًا، في إطار المنهج الإسلامي القويم ، وبالأسلوب الحكيم، ومن خلال الرؤية الشاملة إلى الواقع في جوانبه المتعدّدة، من أجل اكتساب المناعة ضد الضعف العام الذي يحدّ من حيوية الأمة ويشلّ حركتها الفاعلة والمؤثرة .
ثانيًا: إيلاء أقصى الاهتمام بتطوير التعليم ، والنهوض به، وتحديث مناهجه وبرامجه، مع التركيز على التنعليم النافع الذي يفيد الفرد والمجتمع ، والذي يربي الأجيال على ثقافة العصر ويفتح أمامها آفاق المعرفة .