فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 719

فثمار الديمقراطية التي يجنيها المسلمون اليوم مرًَّا وحنظلًا من جنس ما جناه مسلمو الأندلس والمسلمون بعد سقوط الخلافة العثمانية, وإن اختلف الزمان والمكان, والله أعلم) اهـ.

ومن بين المحاذير والسقطات التي لابد من الوقوع فيها للدخول في ائتلاف مع الأحزاب الأخرى, الإقرار بتعيين من يرشحونهم أيًا كانت صفاتهم وجنسهم: رجل أو امرأة، طاهر أم فاجر، مسلم أو زنديق. عالم أم جاهل، ونحمّل أوزارهم للدين والشريعة من خلال ربط أنفسنا بهم أمام الرأي العام.

وحتى من داخل الحزب نفسه يتم مراعاة القبلية والعشائرية والشعبية على حساب العلم والكفاءة والأهلية لتولي المناصب القيادية وذلك على الرغم من علم قادة تلك الأحزاب لحكم الشريعة بعدم جواز ترشيح أحدٍ للمسئولية أو العمل وهناك من هو أكفأ وأحق بذلك منه لأن ذلك خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.

عن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين) [سنن البيهقي الكبرى] .

وكذلك من الأمور المستنفرة تزكية النفس, لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون يظنون أنفسهم الأكفأ والأخلص والأطهر, والله أعلم بمن اتقى.

ويدخل في ذلك الحرص على الإمارة أو تولي أمر من أمور المسلمين.

لقوله صلى الله عليه وسلم: (لن نستعمل على عملنا من أراده) .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم ستحرصون على الإمارة, وستكون ندامةٌ يوم القيامة, فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) [رواهما البخاري] .

أضف إلى ذلك الكبر والعجب, والحسد, وحب الظهور... إلخ من أمراض القلوب التي تصيب الإنسان الذي تتابعه الكاميرات ووسائل الإعلام لتكتب أقواله وأفعاله وتنشر صوره في كل تلك الأحوال.

هذا كان بالنسبة لقادة الأحزاب المنضوية تحت لواء الديمقراطية سواء كانت إسلامية أم غير إسلامية.

أما جماهير تلك الأحزاب والمناصرين لها أو الذين يصوِّتون لصالحها, فلهم عثرات وزلات تنتظرهم خاصة تلك الأحزاب التي ترفع شعارات مخالفة لكتاب الله عزّ وجلّ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو التي تدعو إلى القومية والعصبية القبلية وتتاجر بقضايا القبائل والعشائر والعرقيات.

ولعل من أخطر هذه الأخطاء التي قلما ينتبه لها الناس أو يلفت العلماء انتباههم لها ويبينوا لهم خطورتها:

1)التعاون على الإثم والعدوان:

فالذي يؤيد فردًا من الأفراد أو حزبًا من الأحزاب, وهو يعلم سوء طويته ومقصده من ترشيح نفسه في الانتخابات, مشارك لذلك المرشح في الإثم ومعاون له على معصية الله إن أساء استغلال مقعده في المجلس النيابي أو الوزارة, لأن"من دعا لظالمٍ بطول البقاء فقد أحب أن يُعْصى الله", فكيف بمن وافقه ونصره, ودعمه ليعصى الله بنفسه ويدفع الآخرين أو يجبرهم على عصيانه؟

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعان ظالمًا ليدحض بباطله حقًا فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله) [المعجم الكبير للطبراني] .

ولذا يجب على من يفعل ذلك عن علم أم فعله عن جهلٍ ثم علم أن ينكر عليهم ويسعى في تغيير المنكر؛ وإلا فسيشاركهم أوزارهم كاملة من تشريع غير ما أنزل الله وما قد يرتكبونه في حق الأمَّة من سرقة واختلاس ورشوة وخيانة... إلخ.

2)العصبية الجاهلية:

تعتمد معظم الأحزاب في الدول المتخلفة أساسًا على نشأتها على خلفية عصبية: إما عصبية عرقية, أو عصبية طائفية, أو عصبية عشائرية, أو عصبية دينية مذهبية... إلخ.

والكل يستميت في الدفاع عن العصبية التي يدين بالولاء لها.

وكل هذه العصبيات في النّار إلا ما كانت"لتكون كلمة الله هي العليا"، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قاتل تحت راية عمّيّة فمات مات ميتة جاهلية) .

وهذه العصبية قد توقع صاحبها في كثير من كبائر الذنوب منها:

أ) شهادة الزور:

فكل من يؤيد حزبًا أو شخصًا ويمنحه صوته ليدخل المجالس النيابية ويمثل الأمة فيها وهو ليس أهلًا لها, فقد شهد شهادة الزور وهي من أكبر الكبائر.

لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله, وعقوق الوالدين - وكان متكئًا فجلس، فقال - ألا وقول الزور, ألا وشهادة الزور, فمازال يكررها) [متفق عليه] .

لأن ذلك تعديل لشخص مجروح, وتحسين لشخص مقبوح, وتمكين لفرد مقدوح, لاستغلال المنصب وهو آمن في تحقيق الثراء المحرّم, والكسب غير المشروع, والاستعلاء على الناس بدون حق.

ب) التغاضي عن الأصل والمعدن:

فالأصل في السياسة الحديثة - عامة - والديمقراطية - خاصة - التغاضي عن التفتيش في ماضي الزعامات والقيادات, وما عُلِمَ من سوء منبت أو تاريخ مشين, أو جهالة أصل ونسب, يُنْسى أو يُنَسَّى؛ وآلة الإعلام الجبارة كافية للتغطية على السوءات, وإظهار الهزائم كبطولات, وتحسين الوجه القبيح.

ولكن المؤمن لا يتغاضى عن الأصل خاصة فيمن ينتخبه لأنه سيتحمل تبعة هذا الانتخاب, إنْ قصَّر في هذا الأمر الخطير الذي يتعلق بمصير الأمة.

فالمؤمن مكلف في الأمر المتعلق به شخصيًا في مثل قضية الزواج أن يُحْسِن اختيار الزوجة, لقوله صلى الله عليه وسلم: (تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم) [المستدرك على الصحيحين] .

فكيف بمن يتعرض لقيادة الأمة ويؤتمن على أعراض المؤمنين جميعًا وأرواحهم وممتلكاتهم؟

والذي يتقدم لإمامة المسلمين وقيادتهم لابد وأن يكون حسن السمعة طيب المنبت.

لقوله صلى الله عليه وسلم: (تجدون الناس معادن, خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا, وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهيةً, وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجه) [رواه البخاري] .

فأبناء سلالة الخيانة والزندقة وجهالة الأصل لا يؤمل فيهم خيرٌ, ويجب أن ينحّوا عن التحكم في رقاب المسلمين وأموالهم.

ج) المخاصمة بالباطل:

يقول الله عزّ وجلّ لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} .

قيل في سبب نزول هذه الآيات أن طعمة بن أبيرق وكان من المسلمين سرق درعًا وخبَّأها عند يهودي, فوجدت عند اليهودي, فرماه"طعمة"بها, وحلف أنَّه ما سرقها. فسأل قومه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل ويخاصم عنه ويبرئه, فنزلت تلك الآيات.

قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشرٌ, وإنه يأتيني الخصم, فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض, فأحسب أنه صدق, فأقضي له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلمٍ, فإنما هي قطعة من النّار, فليأخذها أو ليتركها) [رواه البخاري] .

فمن يدافع عن فرد من الأفراد وينصره وهو يعلم منه سوء السلوك والأفعال. أو عن حزب من الأحزاب وهو يعلم من دستور الحزب وقانونه الأساسي, وبرنامجه الذي طرحه أنه مخالف لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وشريعته, ويبغي الفساد في الأرض؛ فهذا ممن يخاصم بالباطل, ويشترك في الإثم هو والقائم به سواءٌ.

د) الطاعة في إطفاء السُّنة ومعصية الخالق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت