فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 719

واستمرت ولا تزال حملاتُ المواجهة والإرهاب يصطلي المسلمون عمومًا بنارها ولبلاد الحرمين نصيب وافرٌ منها، وما الهجوم الكاسح في وسائل الإعلام الغربية وفي دوائرهم السياسية وهيئاتهم ومنظماتهم إلا نموذج من نماذج العدوان والظلم، فلم تسلم البلاد ولا العباد من تطاولهم وظلمهم ولم يُستثن الإسلام الحق، ولا النبي الأكرم، ولا الكتاب المهيمن من هذه الهجمة الشرسة، وأنى لغيرهم أن يسلموا؟

ولا غرابة في ذلك فالهدف واضح"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (البقرة: من الآية120) والنفس الطويل"وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" (البقرة: من الآية217) .

ولكن المستغرب حقًا أن يستجيب المسلمون لهذه الاستفزازات، وأن يضعفوا أمام هذه المكيدة ويتأثروا بهذه الحملات، والأخطر من ذلك أن يتّجهوا إلى أغلى ما يملكون بالتغيير لا بالتطوير، وأن تكون قيم الأمة وأصولها في مهب الريح، وأن تُخترق حصونها الأخيرة في سبيل إرضاء الآخرين، أو لنوع من الهزيمة النفسية عند ثلة من المثقفين، فيحذف أو يحور (الولاء والبراء) من المناهج الدراسية، ويستحيا من ذكر الجهاد، وهو ذروة سنام الإسلام أو يغض الطرف عن الكافر وترقق العبارة معه فيُسمى بالآخر بدل الكافر، وهو مصطلح الشرع حتى وإن قاتلونا في الدين وأخرجونا من ديارنا مستعمرين غاصبين، وكأنه لم ينزل في كتابنا"وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً" (التوبة: من الآية123) ،"وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" (المائدة: من الآية51) ،"لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ" (الممتحنة: من الآية1) .

وعلى حين غفلة من الناس جرى في هذه الأيام تغييرٌ في مناهجنا الدراسية، وفوجئت المدارس بسحب كتب مدرسية طبعت هذا العام 1424هـ، لتُستبدل بكتبٍ أحدث منها، وكان التغيير على مستوى كتبٍ بجملتها، أو إبقاء كتب مع تعديل في بعض مضامينها، أو توحيد المنهج للبنين والبنات في كتاب واحد أو تغيير الرسوم والصور والتعليقات القديمة إلى صور وتعليقات محدثة تظهر فيها صورة الفتاة إلى جانب صورة الفتى، وفيها إيحاءات لا تخفى على اللبيب..

ولنا على هذا التغيير وقفات وتعليقات:

1-هذا التغيير العاجل والمفاجئ كان مُركزًا على مواد الدين، ولا سيما (التوحيد) ، ويُعنى التغيير بقضايا أساسية في العقيدة كالولاء والبراء، وما يتبع ذلك من حكم الاحتفال بأعيادهم ومشاركتهم أفراحهم، وحكم الاستعانة بالمشركين والعمل عندهم والإقامة بين أظهرهم وحكم تقليدهم ونحو ذلك، وقد طالعت بنفسي كتاب التوحيد الجديد للصف الأول الثانوي، فرأيت حذفًا كاملًا لباب الولاء والبراء، وتغييرات أخرى في الأبواب الأخرى يدركها بجلاء من قارن بين المنهج القديم والجديد.

فلماذا تكون البداية بمواد الدين وبهذه الموضوعات على وجه الخصوص؟ ومن المسؤول عن الهدر المادي حين تطبع كتب هذا العام ثم تسحب بعد أسابيع لتوزع كتب بديلة عنها؟

2-لم يُستفت العلماء وفي مقدمتهم هيئة كبار العلماء في هذا التغيير، وفي ذلك خرق وتجاوز للأمر الملكي القاضي بإحالة أي تغيير في المناهج الشرعية إلى هيئة كبار العلماء، بل صدرت فتوى لأحدهم، وهو فضيلة الشيخ صالح الفوزان باستنكار التغيير في المناهج، ومما قاله: لا يجوز التغيير في الكتب المؤلفة القديمة بحذف شيء أو زيادة أو شطب شيء أو تقديم أو تأخير ولا حذف أسماء مؤلفيها؛ لأن ذلك خيانة للأمانة العلمية، وهو من جنس تحريف أهل الكتاب لكتبهم... إلخ، بل ذلك خرق لسياسة التعليم في المملكة، والتي نصت أهدافها الإسلامية العامة على: 1- تنمية روح الولاء لشريعة الإسلام، وذلك بالبراءة من كل نظام أو مبدأ يخالف هذه الشريعة... إلخ (ص 10) ، كما نصت سياسة التعليم في المملكة في أهداف المرحلة الثانوية (وهي المرحلة التي حذف منها باب الولاء والبراء) على: متابعة تحقيق الولاء لله وحده، وجعل الأعمال خالصة لوجهه ومستقيمة في كافة جوانبها على شرعه (ص12) ، ونصت كذلك على أن غاية التعليم في المملكة فهمُ الإسلام فهمًا صحيحًا متكاملًا، وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها (ص10) الطبعة الرابعة.

وإذا نصت هذه الوثيقة المعتبرة على الولاء والبراء وعلى فهم الإسلام فهمًا متكاملًا في أكثر من بند فكيف يحذف هذا الباب برمته من المنهج؟ وإذا كان يخطط لتعديل سياسة التعليم برمتها فالأمر أدهى وأمر ويحتاج إلى وقفة حازمة وعلى مستوى أعلى، وهل يلام من قام بمرافعة للتجاوزات على سياسة التعليم؟

3-إن أمر المناهج الدراسية عظيم فعليها تتربى أجيال الأمة في كافة المراحل، ومن خلالها تصاغ عقول الطلاب والطالبات، المناهج الدراسية ذات صلة بمشروع الأمة الحضاري، ومحددة لقيمها وأسلوب تعاملها مع الآخرين، هي عامل من عوامل الوحدة والبقاء، وهي لون من ألوان التميز، ومرتكزٌ للصمود أمام التحديات العالمية.

وإذا كانت تلك بعض قيم المناهج، فالتغيير فيها لا ينبغي أن ينفرد بالقرار فيه امرؤٌ أو فئة معينة، بل هو حق للمجتمع كله بدءًا من الطالب ومرورًا بالمعلم، ثم ولي أمر الطالب، وانتهاءً بولاة الأمر، ومنهم العلماء، فهل يليق أن تصادر آراء هؤلاء جميعًا، ويصدر القرار بشكل أحادي أو فتوى؟ أين الدعاوى بتقدير وجهة نظر الآخرين؟ ألسنا ننتقد سياسة الإقصاء، أولسنا نعيب احتكار الآراء، وما بالنا نمارس ذلك في أخطر القضايا؟

ومهما قيل إن التغيير بسبب الأحداث والتفجيرات الأخيرة، فالحديث عن التغيير في المناهج سابق لذلك، ومهما استنكرنا حوادث التفجير في بلادنا فلا ينبغي أن نعالج الخطأ بخطأ آخر.

4-إن قضيتنا مع المناهج، بل مع التعليم برمته قصة طويلة، ومنذ زمن والمستغربون وأهل العلمنة يدندنون حول التعليم مرة بالدعوة إلى الاختلاط ومرة بتغيير المناهج، وثالثة بإدخال التربية الرياضية في مدارس البنات... وهكذا، ومع الإصرار ومستجدات الأحداث بدأت الخطوات الأولى لتنفيذ المخطط، وينبغي أن يصرَّ الخيِّرون وأصحاب الفكر السليم على وقف التنفيذ، والتنبه للخطوات المستقبلية، وأين القول بأن (الدمج) مجرد قرار إداري؟ وهل لنا أن نقول: إن هذه أول ثماره المرة؟

5-وثمة طرفٌ آخر يصر على التدخل في مناهجنا، ولكنه يُسِرُّ بذلك من قبل، ثم بات يجهر ويعلنها صراحة وتهديدًا، واصفًا إياها بالتطرف، وناسبًا لها تدمير حضارتهم، والحق أن مناهجنا لم تدمر منشآت الغرب، وإنما دمّر الغربُ أنفسهم بأنفسهم، وذلك بظلمهم وطغيانهم وتدميرهم للآخرين، ولقد شهد شاهد منهم بذلك، فقد قال (أحدُ) أصحاب مدرسة المخابرات المركزية الأمريكية (بيل كريستان) : إن الهدف الحقيقي للمتطرفين هو تخليص العالم الإسلامي من الهيمنة الأمريكية، إنهم لم يسعوا إلى تدمير أمريكا بقدر ما سعوا إلى إخراجها من أرضهم، [مستقبل العالم الإسلامي وتحديات في عالم متغير (كتاب البيان) 1424هـ ص563-564] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت