6-إننا حين نستجيب لهذا الاستفزاز ونغيِّر في المناهج لا عن قناعة وإنما لإقناع الآخرين، فنحن بهذا التصرف نصدِّق التهمة، وسيظل القوم يتهمون، ونحن نغير، حتى لا يبقى لنا من مناهجنا شيء نتميز به، وأعداؤنا في الغرب والشرق يدركون أن التأثير على التعليم مدخلٌ للسيطرة على الفرد والأمة، وهو أسلوب لتدجين المجتمعات الإسلامية وسلخها من هويتها المسلمة، وهو نوع من الإرهاب الفكري والاستعمار الثقافي لا يتورع الغرب عنه، ومن العجب أن هؤلاء الذين يمارسون التدخل في مناهج الآخرين يرون التدخل في مناهجهم نوعًا من الحرب عليهم، وأمريكا وقبل عشرين عامًا تقول: لو قامت قوة بفرض نظام تعليمي علينا لكان ذلك مدعاة لإعلان حرب علينا. (الدويش، البيان/173) ، وعلى المجتمع والأمة أن تدرك آثاره ومخاطره المستقبلية، وأن تتبصر في المخطط والأدوات ووسائل التنفيذ، وتسعى جاهدة لإيقاف صلاحيته وسريانه.
7-وسؤال مهم يطرح نفسه، وماذا عن مناهج القوم التعليمية، وما هي رؤية المسؤولين في التعليم عندهم؟ ودعونا نُمثِّل بأقرب نموذج يجاورنا في البلاد المحتلة (فلسطين) - عجَّل الله بتحريرها من أيدي الصهاينة الغاصبين - حيث يُحدد وزير المعارف والثقافة الإسرائيلي السابق (زبولون هامر) أهمية التربية في المجتمع اليهودي بقوله:"إن صمودنا أمام التحدي الكبير الذي يواجهنا يتمثل في مقدرتنا على تربية قومية مرتبطة بالتعاليم الروحية اليهودية تربيةً يتقبلها الطفل راغبًا وليس مكرهًا، ولهذا فإن على جهاز التعليم الرسمي والشعبي أن يتحمل التبعية الكبيرة للصمود أمام التحديات التي تواجه إسرائيل..".
ويعمم التربية وأثرها على كل أفراد المجتمع اليهودي أولُ رئيس وزراء لإسرائيل (ابن غوريون) حين يقول: إنه لن يكون للحركة الصهيونية مستقبلٌ بدون تربية وثقافة عبرية لكل يهودي بوصفه واجبًا ذاتيًا (انظر: هكذا يربي اليهود أبناءهم في إسرائيل، مقال في مجلة البيان عدد 173/1423هـ) .
هكذا ينظر المسؤولون في دولة اليهود إلى قيمة التعليم وتأصيل المناهج بنظرتهم المرتبطة بتعاليم التوراة المحرفة، ومصيبة حين يتشبث أهل الباطل بباطلهم، ويتوارى أو يستحي أصحاب الحق من إظهار حقّهم.
وفي أمريكا وبريطانيا وبقية الدول الغربية تبرز المدارس اليهودية كنموذج متطرف في الحفاظ على الهوية والتميز الديني، وذلك من خلال فتح مدارس منظمة ينخرط فيها مُربون ومعلمون متمكنون في مجال التربية والتعليم، ومختصون بدراسة الأبعاد النفسية والاجتماعية للجالية اليهودية في المجتمعات الغربية (الجمهور: التعليم الإسلامي في الغرب، ملف مجلة البيان) .
بل تقول الدراسات التربوية وتشهد الإحصاءات الرقمية على تنامي وزيادة المدارس الدينية في الغرب، حتى وصلت إلى ثمانية عشر ألف مدرسة تضم أكثر من مليوني تلميذ في عام 1980م، والأهم من ذلك أن في مناهج الغرب بشكل عام تطرفًا وإساءة للعرب والمسلمين ولم نسمع من يطالب بتغييرها (محمد الدويش: هل لمناهجنا صلة بالتطرف والإرهاب؟) إننا في زمن العودة للهويات، فالأصولية الإنجيلية، واليمين المتطرف، والتوراتيون ونحوها من مسميات القوم شاهد على ذلك، والتطرف بضاعة القوم إن رموا غيرهم بها.
وسؤالٌ أيضًا يضاف إلى سابقه: مناهجنا الدراسية إلى أين؟
ومدارسنا الدينية ما حالها؟ وما حجمها؟ مع الاعتبار بأن ديننا الإسلام هو الحق المُنزّل من عند لله، وغيرُنا"شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ" (الشورى: من الآية21) .
8-وثمة ملحظٌ تربوي قيمي على التغيير في المناهج، فالولاء والبراء وإن حذف أو أُضعف في المناهج المدرسية فهو محفوظ بنصوص الكتاب والسنة، وبماذا نجيب الطالب في مادة التفسير عن آيات الولاء والبراء ومدلولاتها، أو ليس عيبًا أن نحذف في المنهج ما يقرأه الطالب صباح مساء في كتاب الله؟ ومثل ذلك يُقال عن آيات الجهاد وهي تملأ القرآن الكريم عرضًا وبيانًا وإرهابًا للعدو، وغلظة ومقاتلة للذين يلونكم من الكفار، هل من حقنا أن نتدخل فيما أنزل الله، أو نغيِّر فيما شرع الله؟ وهل نريد أن نوقع الناشئة في نوع من الاضطراب، بل وفي نوع من عدم الثقة والشك في تراث الأمة ومدونات العلماء، وهي حافلة بالحديث المفصل عن هذه القضايا الحية والأصيلة في عقيدتنا وتراثنا؟
9-إننا - وحسب سنة الله في التدافع - قد نضعف في زمن من الأزمان أمام عدونا، وقد نُهزم في معركة السلاح العسكري، وهذا ضعفٌ وتقصير، ولكن المذل أن ننهزم في تحقيق قيمنا وفي الجهر بإسلامنا.. المصيبة حين نُهزم من داخل أنفسنا، وأخطر من ذلك حين نعمق الهزيمة لتصل إلى أبنائنا وأحفادنا، وذلك بالعبث بأي مفردة أصيلة من مفردات مناهجنا التي يتربى عليها أبناؤنا وبناتنا وهي تعمق فيهم العزة بالإسلام والنصرة للمسلمين، وجهاد الأعداء والانتصار للمظلومين.
إن الأمانة توجب علينا أن نعلم الأجيال أمرَ الإسلام - كما أنزله الله - مهما كان واقعنا، ومهما خطف العدو من مكاسبنا واستباح من أرضنا وخدش من كرامتنا، ونخون الأمانة إن خرَّجنا أجيالًا يلتبس عليها الحق بالباطل، وتفهم العدو صديقًا حليفًا، والماكرَ المستعمر رجلًا مهذبًا محترمًا؟
إنه خليق بالعقلاء والمفكرين والنبلاء وقادة الفكر ورجال التربية - من باب أولى - ألا يتورطوا في تربية جيل ضعيف في انتمائه لأمته ووطنه متذبذب في نظرته، حائر في منهجه، متشكك في شيء من مسلمات دينه.
إنها أمانة العلم ومسؤولية التعليم عَهِد بها إلينا من سبقنا بيضاءَ نقية، وينبغي أن نُسلمها لمن بعدنا كذلك، وليس من لوازم ذلك أن نجمد ولا نُطور، لكنه التطوير المدروس والنافع الذي يجمع بين الثبات والمرونة، والأصالة والمعاصرة، ولا يكتب في ظروف الانكسار والهزيمة، وهل نحن راضون عن تطويرنا في العلوم التجريبية، ونحوها من المعارف المادية التي قصّرنا فيها وسبقنا إليها الآخرون، ولم يبق لنا إلا أن نغيّر في قيمنا وثوابتنا.
10-ومفارقات عجيبة يدركها العامة فضلًا عن العاملين والمتابعين للأحداث، فهل يليق أن نُهمش (الولاء والبراء) أو نستحي من ذكر (الجهاد) في زمن أعلن الأعداء حربهم علينا، ولم يرقبوا في مؤمن إلًا ولا ذمة، قُصفت بلاد المسلمين بأحدث أسلحتهم، ودُمرت المنشآت والبُنى (الفوقية والتحتية) بطائراتهم وقنابلهم ومدفعياتهم، تيتم الأطفال، وترملت النساء، واستبيحت الأموال، وعُبث بالأعراض، وضاقت الأرض وشكت السماء من ظلمهم، وترسخ في عقول المسلمين وقلوبهم ناشئتهم وكبارهم، بل وفي عقول غير المسلمين الكره لهؤلاء الغزاة المستعمرين، ودرسوا ذلك من الواقع المشاهد قبل أن يقرؤوه في المناهج، وفقد الأمل من كان يرجوا الإصلاح على أيدي هؤلاء المفسدين، وخيمت سحابة من الغضب والسب لهؤلاء المجرمين المستكبرين، ونقلت وسائل الإعلام المختلفة شيئًا من مظاهر الغضب والاستياء لهذه الممارسات الظالمة التي تجاوزت مواثيق الأمم، واستهجنت بكرامة الشعوب، ووأدت ما بقي من خداع الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة التي طالما تشدق بها القوم، وهي اليوم رِممٌ مُحنطة تضاف إلى ما في متاحفهم من دُمى عفا عليها الزمن.
أفيليق بنا والحال تلك - في كره العالم للغرب المعتدي - أن نحجب عن أبنائنا وبناتنا هدي الإسلام ومنهج القرآن في أسلوب التعامل وطبيعة العلاقة مع هؤلاء؟ إن مناهجنا ينبغي أن تكون مواكبة للأحداث واعية للمتغيرات.