فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 719

لقد تعرضت قوات الإنجليز في العراق للعديد من الثورات، ولاقت الإدارة البريطانية في العراق صعوبات جمة في السيطرة على العراق وخصوصًا بعد ثورة آب 1920م والتي أجبرت الحكومة البريطانية على تغيير سياستها بالتحول من استعمار مباشر إلى حكومة إدارة وطنية تحت الانتداب، وكان الملك فيصل بن الحسين، الذي طردته القوات الفرنسية من الحكم في سوريا بعد هزيمة القوات السورية في معركة ميسلون هو أقوى المرشحين لمنصب ملك العراق، وأخيرًا توج ملكًا على العراق في يوم 23/8/1921م بعد استفتاء أجري من قِبَل الإدارة الإنجليزية، وهكذا تم نقل خدماته من دمشق إلى بغداد آخذًا معه دعاة القومية العربية الذين التفوا حوله في سوريا ومن أشهرهم ساطع الحصري الذي تولى حقيبة التربية والتعليم في العراق.

لقد تميزت فترة الانتداب بقيام نظام جمهوري برلماني في سوريا، وملكية دستورية في العراق والسماح بمظاهر ديمقراطية؛ ولكن نقطة الضعف الأساسية هو عدم وضوح الهوية؛ فقد نجح الاحتلال في إسقاط فكرة الجامعة الإسلامية، وحاول جاهدًا تشجيع كل راية جاهلية مما أوجد حالة من الصراع العنيف بين اتجاهات كثيرة لسد الفراغ، وكانت الشعارات غير الإسلامية، تتفاوت بين الفينيقية والآشورية والقومية الوطنية والشيوعية. ومن جانب آخر ظهرت في المنطقة شعارات مشكَّلة من خليط مما سبق؛ فمثلًا تيار الناصرية يعتمد على الفكر القومي الوطني مع اشتراكية اقتصادية؛ أما التيار البعثي فهو يشبهه ولكن يتميز عنه ببروز البعد اللاديني؛ لأن قادته التاريخيين هم في الأساس من غير المسلمين، وقد سيطر على المنطقة حالة صراع دامٍ وعنيف بين هذين الاتجاهين؛ ولما كان الاتجاه البعثي هو الأقدم وأيضًا هو الموجود على الساحة بصفته التنظيمية فإنني في هذه العجالة سأقدم للقارئ الكريم فكرة مبسطة عن التيار البعثي تعينه في فهم الأحداث الحالية.

لقد ظهرت فكرة الحزب في اواسط الثلاثينيات الميلادية، وأُشهِر رسميًا في أواخر الأربعينيات في سوريا، وشارك في الحكم في كل من سوريا والعراق ابتداءً من 1958م، وانفرد بحكم كل من سوريا والعراق في أواخر الستينيات إلى الوقت الحاضر:

-في سنة 1932م عاد من باريس قادمًا إلى دمشق كل من ميشيل عفلق (نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية) وصلاح البيطار (سني) وذلك بعد دراستهم العالية محملين بأفكار قومية وثقافة أجنبية.

-أصدر التجمع الذي أنشأه عفلق والبيطار مجلة الطليعة مع الماركسيين سنة 1934م، وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم: (جماعة الإحياء العربي) .

-في نيسان 1947م تم تأسيس الحزب تحت اسم: (حزب البعث العربي) ، وقد كان من المؤسسين: ميشيل عفلق، صلاح البيطار ، جلال السيد، زكي الأرسوزي، كما قرروا إصدار مجلة باسم البعث .

-كان لهم دور في حكومة شكري القوتلي الذي حكم مرتين ووقع اتفاقية الوحدة مع مصر سنة 1958م.

-أيدوا الوحدة مع مصر، واشتركوا في حكومتها برئاسة جمال عبد الناصر: 1958 ـ 1961م .

-وقفوا بقوة مع الانفصال عن مصر: وقد دام الانفصال من 28/9/1961م وحتى 8/3/1963م. وقد قاد حركة الانفصال عبد الكريم النحلاوي.

-منذ 8/3/1963م وإلى اليوم فقد سيطر البعثيون على الحكم في سوريا عن طريق عدة حكومات برز فيها الصراع الطائفي بين النصارى والدروز والإسماعيليين والنصيريين، واستقر الحكم للنصيريين مع واجهات سنية في كل مرحلة مثل صلاح البيطار وأمين الحافظ (1963م - 1966م) و نور الدين الأتاسي (1966م ـ1970م) ومصطفى طلاس وعبد الحليم خدام، وغيرهم.

-أما عن الجناح العراقي من حزب البعث فقد استولى على السلطة في العراق بعد أحداث دامية سارت على النحو التالي:

استيلاء حزب البعث على ناصية الحكم في العراق:

-في الرابع عشر من شهر يوليو عام 1958م دخل أحد أولوية الجيش بقيادة عبد السلام عارف إلى بغداد واستولى على محطة الإذاعة، وأعلن الثورة على النظام الملكي، وقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ونوري السعيد رئيس وزرائه، وأعوانه، وأسقط النظام الملكي؛ وبذلك انتهى عهد الملك فيصل، ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية. وقامت حكومة يُمَثَّل فيها حزب البعث فقط بشخص امينه العام فؤاد الركابي مما يدل على المشاركة البعثية المحدودة.

-وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 1958م أي بعد عشرة أيام من نشوب الثورة وصل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وزعيمه إلى بغداد وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر) وذلك حتى يمكنهم الوقوف في وجه زعامة عبد الناصر في ذلك الوقت؛ ومن ثم السيطرة على مقاليد الحكم؛ ولكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه ونادى بعبد الكريم قاسم زعيمًا أوحد للعراق.

-وفي اليوم الثامن من شهر فبراير لعام سنة 1963م قام حزب البعث بانقلاب على نظام عبد الكريم قاسم، وقد شهد هذا الانقلاب قتالًا شرسًا دار في شوارع بغداد، وبعد نجاح هذا الانقلاب تشكلت أول حكومة بعثية، وسرعان ما نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث فاغتنم عبد السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق في 18/11/1963م، وعين عبد السلام عارف أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين المعتدلين نائبًا لرئيس الجمهورية، ثم لم يلبث أن أبعد عن النيابة إلى العمل كسفير في وزارة الخارجية في سنة (1384هـ - 1964م) .

ثم تعرض للاعتقال والإقامة الجبرية في منزله، ثم أطلق سراحه بعد ذلك، وبدأ في العودة إلى نشاطه السياسي.

-في شهر فبراير سنة 1964م أوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضوًا في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي.

-وفاة عبد السلام عارف في حادث طائرة سنة (1385هـ ـ 1966م) وتولي أخيه عبد الرحمن عارف الحكم في العراق.

-قام حزب البعث العراقي بالتحالف مع ضباط غير بعثيين بانقلاب ناجح أسقط نظام عبد الرحمن عارف في (20/4/1388هـ - 17/7/1968م) ، وأعلن أحمد حسن البكر رئيسًا.

-وفي اليوم الثلاثين من شهر يوليو عام 1968م طرد حزب البعث كافة من تعاونوا معه في انقلابه الناجح على عبد الرحمن عارف، وعين أحمد حسن البكر رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا للجمهورية وقائدًا عامًا للجيش، وأصبح صدام حسين نائبًا لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤولًا عن الأمن الداخلي .

-وفي 8 يوليو سنة 1973م جرى إعدام ناظم كزار رئيس الحكومة وجهاز الأمن الداخلي وخمسة وثلاثين شخصًا من أنصاره؛ وذلك في أعقاب إخفاق الانقلاب الذي حاولوا القيام به بالتنسيق مع البعث السوري.

-وفي شهر يونيو عام 1979م أصبح صدام حسين رئيسًا للجمهورية العراقية بعد إعفاء البكر من جميع مناصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزله.

-في يوليو سنة 1979م قام صدام حسين بحملة إعدامات واسعة طالت ثلث أعضاء مجلس قيادة الثورة، ولم يبق على قد الحياة من الذين شاركوا في انقلاب عام 1968م سوى عزت إبراهيم الدوري، وطه ياسين رمضان، وطارق حنا عزيز.

وعند استعراض تاريخ البعث نتوقف عند بعض القضايا الأساسية في نظري وهي:

1-ان الحزب وُجِدَ في فترة صراع سياسي اثناء فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي.

2 -كانت الأنظمة الدستورية الموالية للغرب ضحية لهذا الصراع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت