فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 719

إخوة الإيمان، إن قضية التغريب والحرب على الهوية الإسلامية قد صاحبتها دعوة إلى تقسيم الدين إلى مظهر وجوهر، بحيث يتخلى المسلمون عن المظهر بحجة أن الجوهر كاف. وهذه دعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب، وقد انطلت على كثير من المسلمين حتى قبلوها دون إدراك لمخاطرها. لقد جعلت الشريعة الحنيفية تميز الأمة المسلمة في مظهرها عمن عداها من الأمم مقصدًا أساسيًا لها، بل إن أهل كل ملة ودين يحرصون على مظهرهم باعتباره معبرًا عن هويتهم، وآية ذلك أنك ترى أتباع العقائد والديانات يجتهدون في التميز والاختصاص بهوية تميزهم عن غيرهم وترمز إلى عقيدتهم. وهذا أوضح ما يكون في عامة اليهود الذين يتميزون بصرامة، بطاقياتهم، ولحاهم، وأزيائهم التقليدية، وفي المتدينين من النصارى الذين يعلقون الصليب في أعناقهم، وفي السيخ والبوذيين وغيرهم. أليس هذا كله تميز صادر عن عقيدة ومعبر عن الاعتزاز بالهوية. وإذا كانت هذه المظاهر هي صبغة الشيطان، فكيف لا نتمسك نحن بصبغة الرحمن التي حبانا الله عز وجل: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة:138] .

إخوة الإيمان، وننتقل إلى البحث عن الهوية عند المرأة المسلمة فتجد أنها هي الأخرى قد أضاعت هويتها ولنتأمل في ميزتين وسمتين من أبرز مميزات وسمات الهوية الإسلامية عند المرأة المسلمة.

أولاهما: الحجاب، فهاهو الحجاب قد حورب من قبل أعداء الإسلام وسلطت عليه رماح الشبهات وسهام الشهوات حتى تردى قتيلًا أو كاد. نعم إخوة العقيدة لقد ذبح الحجاب بغير سكين حتى تلاشى في كثير من بلاد المسلمين، وما عاد يرى إلا عند قليل من المتمسكين بشريعة الله. وعند بعض من تمسكوا به بدأ بعض النساء بالتساهل في الحجاب وإظهار بعض المفاتن كاليدين والوجه والساعدين والقدمين والساقين. بل ولقد تعدى الأمر إلى أن بعض اللواتي يكشفن وجوههن يزدن فوق كشفه وضع المساحيق التي تسمى بالماكياج.

وثاني سمات الهوية التي فقدت: الحياء، وسل كذلك عن هذه السمة الرئيسة للهوية الإسلامية للمرأة ليأتيك الجواب: رحم الله الحياء، فقد كان خير خصال المرأة المسلمة بعد الإيمان.

إي والله، لقد مات الحياء عند كثير من النساء اليوم. وإن أردت البينة فقل لي بربك: أي حياء عند امرأة تخرج للأسواق تزاحم الرجال في مجامعهم، تتكلم مع هذا وتضحك مع ذاك. تصافح هذا وتخلو بذاك.

ويقال لك بعد هذا كله: إن الحياء ليس في حجاب أو غيره فقط، إنما الحياء في القلب، والقلوب نظيفة فلا تظنن أن الشيطان يوسوس لهذا أو تلك بأي خاطر سوء، كلا فالقلوب نقية طاهرة خاصة في عصرنا هذا!!!

عباد الله يقول تعالى: يانِسَاء النَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاْولَى [الأحزاب:32-33] . هذا عباد الله يقال لنساء النبي ، لأمهات المؤمنين!! يقال أيها المسلم لعائشة الصديقة بنت الصديق ولحفصة بنت عمر بن الخطاب ولأم سلمة ولميمونة ولزينب بنت جحش وبقية أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعًا وأرضاهن.

تنهى أمهات المؤمنين عن الخضوع في القول بأمر من الله ثم يرى بعض الناس في هذا العصر أن هذا لا بأس به ما دام القلب نظيفًا والنفس طاهرة - زعموا -. أيها المغرور أطهر القلوب إطلاقًا هي قلوب أصحاب محمد ورضي الله عنهم بشهادة الله لهم وبشهادة النبي .

يا من يدعي جواز ذلك إذا كانت القلوب طاهرة كما يزعم يقول: (( لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة قال: اذهب فحج مع امرأتك ) ) [رواه البخاري] . ويقول فيما رواه الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ) )ويقول كما عند البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) )فياليت شعري أي عصر يراد بهذا.

ولو قلت أن ما يحدث من هذه الأمور هو أمر منكر، ولا يجوز فأنت متهم بأنك سيء الظن أسود القلب مدخول النية والطوية.

أيها المؤمنون، كلامنا عن الحياء كسمة من سمات الهوية الإسلامية للمرأة المسلمة.

أيها العقلاء إنها عملية اغتيال لشخصية المرأة المسلمة وهوية المرأة المسلمة عن طريق قتل الحياء عندها.

واعلموا رحمكم الله أن المرأة إذا فقدت حياءها فقدت الكثير بعد ذلك. وصدق رسول الله في قوله: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) ) [رواه البخاري] .

إخوة العقيدة، هذه بعض جوانب الهوية الإسلامية التي فقدت من حيث المظهر والمخبر، فتعالوا بنا إخوتي لننظر في مجال آخر من مجالات هويتنا التي فقدت ألا وهو مجال الفكر أو المجال الفكري. لقد حوربت الهوية أيضًا وغُرّبت من قبل أعداء الإسلام وظهرت آثار فقد الهوية في أفكار ومناهج تنادي بالتقريب بين الأديان وحوار الأديان وخصوصًا الأديان الثلاثة: الإسلام والنصرانية واليهودية. أقيمت مؤتمرات للتقريب بين التوحيد والشرك، للتقريب بين من يقول: لا إله إلا الله، ومن يقول: إن الله ثالث ثلاثة، للتقريب بين من يقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:1-3] . ومن يقول: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله. تلك هي أفكار قوم فقدوا هويتهم وباعوا دينهم.

ومن هذا الباب أيضا ظهرت أفكار تنادي بتبني الحضارة الغربية والآراء الغربية والنظريات الغربية وأخذها كاملة كما هي بعجرها وبجرها، وحلوها ومرها، حتى نصل -كما يزعمون- إلى ما وصل إليه القوم من التقدم والرقي، نادى بذلك -إخوة الإيمان- أقوام ينتسبون إلى هذا الدين، يطالبون الأمة أن تنصهر في بوتقة غربية لتخرج بعد ذلك وقد فقدت دينها وهويتها وأخلاقها وكل ما تتميز به. هكذا يريدون لهذه الأمة أن تكون أمة بلا هوية وتلبس ثوبًا غير ثوبها وتتزيى بغير زيها.

وما الذي حدث؟

حاول بعضهم فعل ذلك ولم يحصلوا على التقدم ولا النهضة المزعومة وفقدوا هويتهم فلم يبقوا على هويتهم ولا حصلوا على مطلوبهم فكانوا كالمنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وكان الضياع والتيه.

يقول أحد رجالات هذه الدعوة وتلك الأفكار مسجلًا تراجعه واعترافه بفساد هذه الدعوة وتلك الأفكار، وهو محمد حسين هيكل: ولقد خيل إلي زمنًا -كما لا يزال يخيل إلى أصحابي- أن نقل حياة الغرب العقلية والروحية، سبيلنا إلى هذا النهوض… ولكنني أدركت بعد لأي أنني أضع البذر في غير منبته، فإذا الأرض تهضمه ثم لا تتمخض عنه، ولا تبعث الحياة فيه… وروّأت، فرأيت أن تاريخنا الإسلامي وحده، هو البذر الذي ينبت ويثمر.

وحوربت الهوية كذلك بحرب اللغة العربية، ونادى أقوام باستخدام اللهجات العامية في كل مجال، وهجر اللغة العربية لتفقد الأمة صلتها بالقرآن ويزداد تمزقها.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء محمد، وعلى آله وصحبه ومن تعبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت