فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 719

لم يعمل الإسلام على تغييب وإلغاء القوميات، والجنسيات، أو القبائل والعشائر، والأوطان، من حيث وجودها ومن حيث انتساب الإنسان لتلك القوميات، والجنسيات، أو القبائل والعشائر، والأوطان وما أكثر الأدلة الشرعية الدالة على ذلك، فلم يمنع المرء من أن يقول عن نفسه بأنه عربي أو فارسي أو رومي، أو يمني أو شامي، أو قرشي أو خزرجي.. كما لم يمنعه من التعبير عن الحب والحنين لما ألفه من أوطان وديار.. فهذا وارد، والشارع أقره ولم يلغه، ولا أظنني بحاجة للاستدلال على مشروعية ذلك إذ أنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة.. لا يجادل فيها اثنان.

ولكن الذي منع منه الإسلام وعمل على إلغائه هو تلك العصبيات الجاهلية لتلك القوميات والجنسيات، ولتلك الأوطان، والقبائل، وغيرها من المسميات والانتماءات التي تغيب الولاء والبراء في الله.

كما منع أن يكون التفاضل بين الشعوب على أساس الانتماء لتلك القوميات والجنسيات والأوطان، وجعل ميزان التفاضل والتمايز بين العباد مقصورا ومحصورا على ميزان التقوى، والأحسن عملا بغض النظر عن الجنس أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الموطن، كما قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} .

لا يجوز أن ننتقص دور العرب كمادة لنصرة قضايا الإسلام وعقيدته، ارتبط مصيرهم بمصير هذا الدين عزا وذلا، عزا إن نصروه، وذلا إن خذلوه وتخلوا عنه، كما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (كنا في الجاهلية أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، فإذا ما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) ، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله، قال: حدثتني أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليفرن الناس من الدجال حتى يلحقوا بالجبال. قالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل) .

فسؤال أم شريك عن العرب يومئذ يوحي بما يجب على العرب خاصة من نصرة لهذا الدين؛ وكأنها تريد أن تقول: كيف يؤول أمر الناس إلى أن يلتحقوا بالجبال خوفا من الدجال.. والعرب موجودون.."فأين العرب يومئذ"يا رسول الله الذين من شأنهم نصرة هذا الدين ودفع طغيان الطواغيت؟! فأجابها عليه السلام"هم قليل"؛ أي هم قليل يومئذ..!

ولعل هناك سؤالا يطرح نفسه: لماذا هم قليل؟!

أجاب علماء الحديث والفقه بالقول هم قليل لأنهم مادة الجهاد والاستشهاد.. فما أن ينادي منادي الجهاد في أي بقعة من بقاع الأرض إلا وتجد من العرب من يلبي ذلك النداء.. وفي كثير من الأحيان يكونون قادة الجهاد وعصبه وركنه وطليعته.

وتعليقا على كلام العلماء الذي صدر منهم في القرن الرابع الهجري أقول: لم يخطأ علمائنا في تفسير هذا الحديث، وأدل شيء على هذا ما نراه ونسمعه حتى في هذه الأيام حيث ما من موقعة ولا ساحة يعلن فيها الجهاد إلا ويفزع لها نخبة من شباب العرب المسلم المجاهد ملبين نداء الجهاد في سبيل الله متحدين الصعاب الجمة التي تعترض مسيرتهم وحركتهم وجهادهم.. وما أن يعلم العدو أن في الساحة مجاهدين من العرب إلا وتراه يحسب لواحدهم ألف حساب لما يرى منهم من الشجاعة، والرجولة، والإقدام.. وما نراه ونسمع عنه في ارض الشيشان مثلا عنا ليس ببعيد.

ومما جاء في الحديث في فضل العرب (أحبوا العرب وبقاءهم، فإن بقاءهم نور في الإسلام، وإن فناءهم ظلمة في الإسلام) ولقد علق كثير من علماء الحديث على هذا الحديث بالقول إن كان قد ضعف سنده فمتنه صحيح لأن مجمل نصوص الشريعة تدل على صحته ومن ذلك ما جاء في فضل الشام وأهله، كما في قوله عليه السلام (عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليستق من غدره، فإن الله عزو جل قد تكفل لي بالشام وأهله) . أي تكفل الله لنبيه بنصرة هذا الدين بالشام وأهله.. ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام) ، وقال عليه السلام: (لن تبرح هذه الأمة منصورين أينما توجهوا، لا يضرهم من خذلهم من الناس حتى يأتي أمر الله، وهم بالشام) . وقال أيضا: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) ، وقال عليه السلام: (عقر دار المؤمنين بالشام) . وغيرها كثير من الأحاديث الصحيحة التي تدل على فضل الشام وأهله..

والشام وأهله جزء من العرب، ولكن ننوه بتنويه أكثر من مهم وهو أن لا يذهب أحد الظن أن البعث السوري مثلا يشملهم هذا الحديث.. كلا والله وألف كلا فالله أكرم وأجل من أن يجعل أولياؤه وجنود دينه من أهل البعث أو النصيرية.. حاشا لله ذلك إنما أولياء الله من أهل الشام هم المؤمنون الموحدون لله حق توحيده..وفي مقالنا القادم بإذن الله سنستكمل معكم العروبة والإسلام..

تحدثنا في مقالنا السابق عن إلغاء الإسلام للعصبيات الجاهلية وكل أشكال وأنواع الانتماء الجاهلي وكيف أنه أبقى الهوية ولم يشطب الانتماء الشخصي.. {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} .. ثم عرجنا في الحديث عن مكانة العرب في الإسلام وذلك الارتباط الوثيق بينهما.. واليوم سنستكمل الحديث عن تلك المكانة..

هذه المكانة للعرب في الإسلام لا يجوز أن ننكرها أو نجحدها، ولكن لا يجوز أن تكون كذلك مدعاة أو مبررا للدعوة إلى العروبة أو"القومية العربية"التي تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة والحياة، وعلى تكريس مبدأ عقد الموالاة والمعاداة، وكذلك تقسيم الحقوق والواجبات على أساس الانتماء القومي للجنس العربي بغض النظر عن العقيدة والدين والعمل.. ومبدأ {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فالقومية العربية أو العروبة بهذا المفهوم الآنف الذكر هي دعوة عصبية جاهلية نتنة حرمها الإسلام وحذر منها أيما تحذير، كما في الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن) .

وقال عليه السلام: (من ادعى دعوى الجاهلية فإنه جثا جهنم ـ أي من جماعات جنهم ـ فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله التي سماكم: المسلمين، المؤمنين، عباد الله) .

وجاء في الحديث المشهور: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب) وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تحرم العصبيات القومية التي تفاضل، وتوالي وتعادي على أساس الانتماء القومي أو غيره من الانتماءات العصبية الجاهلية.

ومما سبق بيانه فيه رد على بعض الدعاة والكتاب المعاصرين المصابين بلوثة الهزيمة النفسية والفكرية الذين يحاولون تزلفا مداهنة القومية والقوميين العرب على اعتبار أن ما كان من خلاف وتنافر بين الإسلام والإسلاميين من جهة وبين العروبة أو القومية والقوميين العرب من جهة ثانية لم يكن مبررا وليس له داع إذ لا تعارض بين الإسلام والعروبة، ولا بين الدعاة إلى الله تعالى وبين الدعاة إلى القومية العربية أو العروبة.. فكل منهما حاضن للآخر.. لذا فإن المعركة القديمة الحديثة بين الطرفين لا بد من أن تهدأ وتزول، ليحل مكانها التلاقي والوئام!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت