فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 719

[صحيح البخاري، برقم (74،78) وقصته مبسوطة في سورة الكهف وفي الأحاديث الواردة فيها عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم]

المسألة الخامسة: سهولة نشر الدعوة الإسلامية في هذا العصر، إلى كل صقع من أصقاع الأرض، نشرا عاما لكل الناس، ونشرا خاصا إلى أشخاص بأعيانهم

فالوسائل المتاحة اليوم، من المواصلات والاتصالات... عن طريق الفضائيات والإذاعات والصحف والكتب والمنشورات، والشبكة العالمية [الإنترنت] والبريد الإلكتروني، والبريد العادي، والأشرطة [أشرطة الفيديو والكاسيت] والهاتف الثابت والمتنقل، إضافة إلى وسائل التعليم، كإنشاء المدارس والمعاهد والكليات والجامعات، كل هذه الوسائل يمكن أن تقام بها الحجة على غالب الناس، وتنشر بها الدعوة الإسلامية بجميع لغات العالم.

ولهذا يجب على جميع الحكومات في الشعوب الإسلامية، وأغنيائها وعلمائها والمتخصصين في كل وسيلة من تلك الوسائل، أن تتخذ كل وسيلة ممكنة للقيام بذلك، ويأثم كل من تأخر عن القيام بذلك، وهو قادر عليه، مادام لم تقم بذلك طوائف كافية للقيام بالبلاغ المبين.

هذه الوسائل تقوم اليوم مقام جهاد الطلب الذي يعجز المسلمون اليوم عن القيام به، فاتخاذها والقيام بها فرض كفاية، يسقط عن المسلمين، إذا قامت بها طوائف كافية منهم.

ولو أن حكومات الشعوب الإسلامية استغلت الشباب المسلم، في هذا المجال، كل فيما يجيده ويقدر على أدائه، لكان في ذلك ملءٌ لفراغهم وتشغيلٌ لهم فيما يعود عليهم وعلى أمتهم، وعلى العالم كله بالخير العميم والنفع العظيم، وهذا ما نشاهده في الشباب الذي سلك هذا المسلك، فقام بالدعوة إلى الله أو تعليم الجاهلين بدين الله، أو بإغاثة المحتاجين من المسلمين.

المسألة السادسة: حكم العسكريين الأجانب الذين يدخلون بلدان المسلمين باتفاق مع دولها.

لا بد هنا من التنبيه على هذه المسألة، لأن كثيرا من الشباب المسلم اتخذها ذريعة للتفجيرات في بعض البلدان الإسلامية، غيرة منهم على هذه البلدان وحرصا على حمايتها من بقاء غير المسلمين من العسكريين فيها.

ونحن نقول: إن الأصل ألا يمكن العسكريون غير المسلمين، من دخول بلدان المسلمين والبقاء فيها، ولكن هذا الأصل في غاية الصعوبة على حكومات الشعوب الإسلامية اليوم، لأمرين:

الأمر الأول: أنها مضطرة إلى الحصول على السلاح الذي لا تملكه، ولا تستطيع الاستغناء عنه، لعدم وجود مصانع سلاح مستقلة لهذه الحكومات، وعدم قدرتها على إيجاد تلك المصانع التي تمكنها من صنع السلاح المطلوب، لأن الدول القوية، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، أصبحت اليوم قادرة على كشف السلاح ومادته، ومصانعه في بلدان العالم كله، فهي تراقب الأجواء والبحار والبراري، ولا يخلو بلد من بلدان العالم من آلات تجسسها وجواسيسها...

الأمر الثاني: احتكار الدول القوية للسلاح ومصانعه وصناعته، فرضها شروطا مجحفة على الدول الضعيفة، ومن تلك الشروط قبول الدول المشترية لخبراء عسكريين من الدول البائعة يشرفون على ترتيب السلاح ويقومون بتدريب جيش الدول المشترية، وقد يشترطون الاشتراك في مناورات معينة...

فالدول التي تحتاج لهذا السلاح، لا تخلو من أحد أمرين: الأمر الأول شراء السلاح مع قبول الشروط الظالمة، والأمر الثاني: الحرمان من السلاح، وهو أمر يعرضها للتهديد من أي دولة تريد العدوان عليها وعلى شعبها.

ومع اعترافنا بهذه الضرورة التي أخضعت هذه الدول لقبول الشروط المجحفة من الدول التي تبيع السلاح، فإننا نحمل حكومات الشعوب الإسلامية مسئوليتها عن التقصير الذي حصل منها، في الأوقات التي كان في استطاعتها إنشاء مصانع للسلاح وكل ما يقتضيه من أدوات، وبخاصة الدول العربية التي فوتت فرصا مواتية لإنشاء مصانع للسلاح، قبل أكثر من خمسين عاما، عندما وقعوا في الجامعة العربية اتفاقية الدفاع العربي المشترك،التي قبرت بعد توقيعها مباشرة، بسبب خلافاتها وعدم ثقة بعضها في بعض.

وقد تمكنت بعض الدول من إنشاء مصانع أسلحة متقدمة، ومنها السلاح النووي، لأنها شمرت عن ساعد الجد من وقت مبكر واغتنمت أي فرصة أتيحت لها، لتتمكن من إعداد عدتها لأعدائها، كما هو الحال في الهند وتلتها الباكستان، ويبدو أن لإيران من ذلك نصيب.

أما اليوم فإن حربا شعواء تشنها الصليبية الأمريكية واليهود، على هذه الدول وغيرها من حكومات الشعوب الإسلامية، للسيطرة عليها وعلى سيادتها.

ولهذا تصر على الحَوْل بينها وبين كل ما يمكن أن يقويها من المصانع، وبخاصة مصانع السلاح.

ولو أن حكومات الشعوب الإسلامية، وبخاصة العربية منها، اعتصمت بحبل الله واجتمعت كلمتها على التعاون على ما يحقق مصالح شعوبها، ويدفع المفاسد عنها، ووقفت وقفة واحدة في التعامل مع الحكومات الغربية ومنها أمريكا، مصلحة بمصلحة، فإنها هذه الدول ستحصل على كثير من حاجاتها من السلاح وغيره، لأن المصالح التي تملكها الدول العربية وغيرها، وتحتاج إليها الدول الغربية ولا تستغني عنها، كثيرة جدا يمكنها أن تحقق للمسلمين كثيرا من المصالح.

ولكن تنازع هذه الدول الذي أثلج صدور الدول الغربية التي تتحقق به لها من المصالح ما لا يمكن تحقيقه بدونها، ولهذا نراها تصر على المزيد من هذا التنازع والتمزق، فتتدخل في شئون كل دولة على انفراد لتسلط بعض أحزابها على بعض، وتسلط الأحزاب على الدولة باسم المعارضة، حتى يصل الأمر إلى الانقلابات والاقتتال.

كما تتدخل في المنظمات الإقليمية، كشأنها مع جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والمنظمات الدولية، كمنظمة المؤتمر الإسلامي، ودول عدم الانحياز، وكذلك تفعل مع الدول غير الإسلامية، فلم يوجد أي تجمع لم تدس الولايات المتحدة أنفها في شئونه، وتحول بينه وبين اتخاذ وسائل قوته....

ومع هذا الظلم والاستبداد اللذين تتعامل بهما الولايات المتحدة الأمريكية، مع الدول العربية وغيرها من حكومات الشعوب الإسلامية، يجب أن لا تيأس هذه الدول من تتدارك أمرها، فتتخذ كل وسيلة متاحة للاجتماع على مصالحها المشتركة، والتعاون على تحقيقها، وعمل الأسباب التي تجعل كل دولة تثق في الأخرى، لأن عدم الثقة هو السبب في الْحَوْل بينها وبين تعاونها.

وإذا وجدت هذه الثقة وتم التعاون بين هذه الدول، فإن كثيرا من أمورها سيسهل بإذن الله، لأن اقتصادها سيقوى، وموقفها الموحد في التعامل مع الدول الغربية، سيمنحها الاحترام، وستأخذ من تلك الدول مثل ما تعطيها.

وستتسابق الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية وأستراليا واليابان وروسيا إلى التعامل بالمثل مع حكومات الشعوب الإسلامية وبخاصة الدول العربية، وعندئذ ستكون عندهذه خيارات متنوعة مع الدول الأجنبية، وستكون شروط بعضها في بيع السلاح أخف من بعض، وقد تتمكن الأمة الإسلامية ببركة اجتماع كلمتها وأخوتها التي أمرها الله بها، من إعداد عدتها بمصانع تنشئها هي:

(( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون ) ) [ (103) ]

(( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ) [الأنفال (46) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت