فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 719

ومن هنا كان ذلك من حق ولاة الأمر، بل هو من واجباتهم، وهم الآثمون إذا لم يقوموا بذلك، ويكون غير ولي الأمر الذي لا سلطان له، فاقدا القدرة الشرعية في هذه الحال.

ولقد بالغ بعض الشباب المسلم في فهمه للمنكر وفهمه لإزالته باليد، إلى أن أصدر حكمه على بعض الأشخاص بالردة، ثم أعطى نفسه الحق في إقامة الحد على أولئك الأشخاص، و سمى حكمه وفعله بـ"الجهاد الفردي الحل الممكن"

هذا مع العلم أن إصدار الحكم بالردة يحتاج إلى الرجوع إلى علماء الإسلام، ليصدروا في ذلك فتواهم التي تبين صحة الحكم بالردة على الفرد المعين أو فسادها، لأن إخراج المسلم المعين من الإسلام لا يجوز إلا بيقين.

ولا بد للحكم بالردة على الشخص المعين من توافر شروط وانتفاء موانع.

وغالب طلاب العلم الصغار لا يحيطون بتلك الشروط والموانع، ولو حفظوها عن ظهر قلب، فقد تخفى عليهم من الناحية العملية، ولأن الأمور المترتبة على الحكم بالردة خطيرة كذلك.

فالمرتد لا يرث ولا يورث، ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وحده القتل كما ورد في الأحاديث الصحيحة، وإن شكك في ذلك بعض الناس في هذا الزمان.... فهل يجوز لفرد أو أفراد من طلاب العلم الصغار، أن يصدروا في مثل هذا الأمر الفتاوى، وينفذوا ما يترتب على فتاواهم فيما سبق، بدون الرجوع إلى علماء الأمة الأكفاء؟!

وقد اشتهر عند علماء الأمة قديما وحديثا، أنه لا يجوز الإقدام على إنكار منكر محقق، إذا كان يترتب على إنكاره حصول ما هو أنكر منه.

قال العز بن عبد السلام السلمي رحمه الله:

"إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن دفع المفاسد وتحصيل المصالح فعلنا ذلك، وإن تعذر الجمع، فإن رجحت المصالح حصلناها ولا نبالي بارتكاب المفاسد، وإن رجحت المفاسد دفعناها ولا نبالي بفوات المصالح" [الفوائد في اختصار المقاصد: (1/:47) دار الفكر المعاصر 1416هـ مدينة النشر دمشق]

وقال ابن تيمية رحمه الله:"فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإتمامه بالجهاد، هو من أعظم المعروف الذى أمرنا به، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات، فالواجبات والمستحبات لابد ان تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد بل كل ما أمر الله به فهو صلاح وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين."

فحيث كانت مفسدة الأمر والنهى أعظم من مصلحته، لم تكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرِك واجبٌ وفُعِل مُحرمٌ، إذ المؤمن عليه أن يتقى الله في عباده وليس عليه هداهم" [مجموع الفتاوى (8/126) ] "

وقال في موضع آخر:"وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي"الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ": فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ أَوْ تَزَاحَمَتْ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَتَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ."

فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ; بَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ" [مجموع الفتاوى (28/129) ] "

وذكر ابن القيم رحمه الله: أن لإنكار المنكر أربع درجات، فقال:

"فإنكار المنكر أربع درجات:"

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته.

الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان

والثالثة موضع اجتهاد

والرابعة محرمة" [إعلام الموقعين (3/4) ] "

وقال الشوكاني رحمه الله في تفسير الآية الكريمة: (( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) ) [الأنعام (108) ] :

"وفى هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل، إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه، من انتهاك حُرَمٍ ومخالفةِ حقٍّ ووقوعٍ في باطل أشدَّ، كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه..." [تفسير فتح القدير (2/150) ]

وقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم مصلحة شرعية، خشية من وقوع مفسدة أعظم منها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي قال له:ا (يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم) [صحيح البخاري، برقم (1509) وصحيح مسلم، برقم ولفظه (حديثو عهد بشرك) (1333) ]

وكلام العلماء في هذه المسألة قد يصعب حصره، في كتب التفسير وشروح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد الفقه... وكتب السياسة الشرعية و الفتاوى وغيرها... فينبغي لطلاب العلم أن يهتموا بها، وأن يتلقوها على أيدي فقهاء الإسلام، وألا يغتروا بقراءاتهم التي لم يصقل عقولهم وأفهامهم فيها من تحققوا بفقهها وفهمها، استنادا على أخذها من أهلها قبلهم.

فإن الطالب الذي يأخذ علمه من الكتب، ولم يتتلمذ على مخصصين في العلم الذي يأخذه، يكون أشد ضررا في أحكامه الشرعية، من طالب طب استقل بقراءته في الجرائد والمجلات دون أن يأخذ علم الطب على يد المهر من الأطباء، ثم أخذ يحلل ويصف الأمراض والعلاج لمرضى البشر...

ولهذا كان سبب وجود الفرق الضالة استقلالها عن علماء الشريعة الذين تلقوا علومهم كابرا عن كابر على أيدي من سبقهم ممن سلكوا مسلك الصحابة والتابعين، في طلب العلم....

قال الإمام الشاطبي رحمه الله:"من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.. وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات:"

إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقًا لفعله، فإن كان مخالفًا له، فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم..

والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح.

فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله واعتمادهم على ما يرد منه، كائنًا ما كان، وعلى أي وجه صدر..

وصار مثلُ ذلك أصلًا لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وجدت فرقة زائفة ولا أحدا مخالفا للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف"."

[من كتاب الموافقات في أصول الشريعة (1/91ـ95) بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله دراز، باختصار]

فليعرف طالب العلم قدر نفسه، ولينزلها منزلتها، وليتواضع ويأخذ العلم عن أهله، ولا يغتر بما التقطه من صفحات الكتب بنفسه، دون تلقي العلم على يد أهله، فإن فوق كل ذي علم عليم، وفي قصة موسى عليه السلام، عندما"جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت