فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 719

وبمجرد ما تأخذ الجماعة المسلمة سيرها في طريق العبادة يبدأ هذا الابتلاء، يبدأ لكنه لا يبقى مستقرا على مستوى واحد، وإنما يأخذ في الارتفاع كلما ارتفعت الجماعة في مقامات العبادة، ويتقدم في نوعية التأثير كلما تقدمت الجماعة في مواقع إقامة الدين، وعلى قدر الدين يكون الابتلاء.

والابتلاء في حقيقته هو الواقع (الحدث) الذي يتطلب نوعا من مخالفة الهوى لتقف فيه النفس مواقف الحق، فهو إذن الحدث الذي يقع بالامتحان، ليُرى هل سيقدِّم الإنسان مقتضى الحق فيستجيب للأمر، أم يقدم مقتضى الهوى فيتخلف عن الاستجابة. ومن المعلوم أن هذا الامتحان متحقق بالخير والشر سواء، فكلاهما حدث تختبر به النفس، أو بعبارة مغايرة، إن الرخاء بعد الشدة يحقق معنى الابتلاء، كما أن الشدة بعد الرخاء تحقق معنى الابتلاء، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] ، فكلاهما فتنة تكشف الحقيقة وتبين الصادق من الكاذب، قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] ، وكم من النفوس تصبر على الاستجابة عند الشدة التي تأتي بعد الرخاء ولكنها تفقد تماسكها فتنتكس عندما تمتحن بالرخاء بعد الشدة.

لكن - في الحقيقة - ليس كالمحنة سببا فعالا في كشف حقائق الناس وإخراج مكنونهم النفسي، لأنها تشكل أجواء الضغط الذي يصعب معه التصنع، فتكون بمثابة الأحداث الساخنة التي تصهر تحت تأثير حرارتها عناصر الصف الإسلامي فيفرز الخبث الدخيل، ويتميز هؤلاء من هؤلاء.

ولعل هذا ما جعل طريق الجهاد - على امتداد مراحله - هو الطريق الذي يشكل الظرف الصحيح لاكتشاف حقائق الناس، والسبب الأساسي الذي يميز به الله بين المؤمنين والمنافقين، وليس كالحرب محك لمعرفة حقائق الناس.

خذ غزوة الأحزاب - مثلا - وتأمل كيف كشفت أحداثُها عن العناصر الدخيلة في الصف الإسلامي، فميزت المؤمنين من المنافقين، وفاء كل واحد إلى الصنف الذي يعبر عن حقيقته، قال تعالى يصف الجو العام للميدان: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب:10] ، فتحت تأثير هذه الأحداث التي زلزلت القلوب وأدهشت الأعين انقسم الناس إلى قسمين، قسم كشف عن خبث المرض الذي يخالط قلبه فقال: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب:12] ، وقسم آخر أبان عن صدق ارتباطه بهذا الدين فقال: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [الأحزاب:22] ، فأنت ترى أن الحدث واحد، والجميع قد خضع له في نفس الأجواء، ولكن بين موقف المؤمنين وموقف المنافقين من التباين كما بين الصدق والكذب.

وفي معركة أُحُد خرجت الجماعة المسلمة للجهاد.. فماذا كان؟

لقد انكشفت حقائق الناس، وانقسموا كذلك إلى قسمين، قسم استجاب لنداء الجهاد، وقسم تخلف ليخذل الجماعة المسلمة في أحرج الظروف وأشدها صعوبة، حتى إذا قيل لهم في ذلك، {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُم} [آل عمران:167] ، وليس هذا فحسب، ولكن عندما ترجع الجماعة المسلمة من المعركة يقولون في شأن الشهداء الذين أرخصوا دمائهم في سبيل الله {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران:168] ، فكأنهم يريدون أن يشوشوا بهذه الشبهات على التصور الإسلامي للحياة والموت، ويقلبون بهذه الكلمات الحقائق، ليحدثوا الفتنة في الصف الإسلامي.

وهكذا هم دائما، لا يكتفون بالمواقف الباطلة، وإنما يحاولون قراءة الحدث قراءة تتناسب مع هذه المواقف الباطلة، فيتمنطقون في الطرح ليبرروا سلوكهم، ويتقعرون في الكلام ليضفوا العقلانية على أفعالهم، ولكن هيهات.. لقد غاص القرآن إلى أعماق نفوسهم فكشف حقيقة تعليلاتهم، وحلل مضمون كلامهم فبين تهافت تفسيراتهم، فأقام للمؤمنين البرهان على أنها لا تعدو أن تكون مجرد شبهات باهتة قد أفرزتها الأهواء تحت ضغط الشهوات.

واقرأ كمثال على المتابعة القرآنية لهذا الصنف من الناس قوله تعالى: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَة،ٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا} [الأحزاب:14] .

نعم هؤلاء المنافقون ليسوا صنفا واحدا، وإنما هم أصناف، قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ} [الأنفال:49] ، كما أن المؤمنين ليسوا على درجة واحدة وإنما هم درجات، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر} [الأحزاب:23] ، ولكن المهم هو أن هؤلاء فريق وهؤلاء فريق آخر، وعندما نتكلم عن التمييز فإننا نتكلم عن التفريق بين الفرقين بغض النظر عن الأصناف أو الدرجات الموجودة داخل كل فريق، فللحديث عن ذلك مقام آخر.

لقد انجلت غزوة أحد وغزوة الأحزاب عن فريقين من الناس، كلاهما كان يعتبر داخلا تحت الصف الإسلامي، فريق المؤمنين وفريق المنافقين، وتميز هؤلاء عن هؤلاء بالأعمال والمواقف الظاهرة، وتلك من أهم حكم الله المبثوثة في الابتلاء، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران:167] ، وليست"الأحزاب"ولا"أحد"إلاّ نموجا للحدث الذي يختبر به الناس فتنكشف حقائقهم، ويظهر ما كان مستورا منهم، ويفيئ كل واحد إلى الفريق الذي يعبر عن حقيقته.

ومن يتتبع حديث القرآن الكريم عن أصناف الناس يجد أن التفريق بين المؤمنين والمنافقين يأخذ مساحة واسعة من الوحي الرباني، في عملية إثارة واضحة للفواصل التي تمنع التداخل والاختلاط الذي تضيع فيه الهوية تحت ستار الوحدة الشكلية، وما كان هذا الأمر ليأخذ هذه المساحة لولا أهمية الموضوع وقيمة هذه السنة (التمييز) في حياة الجماعة المسلمة، مما يفرض ضرورة الاهتمام بالدلالات التي تحملها لتتحقق الاستفادة بالكيف الذي يساعد على التقدم في المواقع.

ولعل أبسط ما يمكن أن نخرج به من الدلالات في هذا الباب ثلاثة أمور:

أولًا: إن المنافقين أناس موجودون في داخل الصف الإسلامي وليس خارجه، فهم مسلمون حسب الظاهر، ويصعب أن تقعَ لهم على ما يخرجهم من دائرة الإسلام الحكمي، لأنهم إن فعلوا صاروا داخلين تحت دائرة الكفر، ولم نعد نتعامل معهم على أنهم منافقون، ولهذا لا ينبغي أن نبحث عن النفاق في غير محله، أو بعبارة أدق لا ينبغي أن نبحث عن النفاق داخل دائرة الكفر، لأنه يوجد داخل دائرة الإسلام الحكمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت