إنَّ هذا النموذج أيضًا ليس بِدْعًا؛ فقد سَبَقه إليه أيضًا نموذجٌ آخرُ قبلَ سبعين أو ثمانين سنة لَمَّا جاء الاستعمار إلى العالم الإسلامي، فهناك فئات أرادت أن تجمع بين الإسلام والحضارة الغربية، وأن تخضع لكثير من الأمور الحضارية الغربية بعض الأصول والقواعد الإسلامية والشرعية، وجمعوا بينهما بما يسمى بـ"المدرسة العقلية الحديثة"، لكنها في النهاية لم تنجح، والسببُ في ذلك هو أن هذا الطَّرْح المبني على تنازلاتٍ، وإخضاع أصول الدين وقواعده لتلك الأحوال المعاصرة من باب مجاملتها.
كل ذلك يؤدي في النهاية إلى أن يَعتَزَّ الغرب بطرحه، ويؤدي إلى أن يكون المسلم المتبَنِّي لذلك أن يَضْعُف انتماؤُه لأصولِه، فهو بذلك يشبه إلى حد كبير علماءَ الكلام الذين كانوا في الزمن الأول.
كان في الزمن الأول وفق الكتاب والسنة والعقيدة الصافية، ثم تُرْجِمت الفلسفة اليونانية، فاطلعوا عليها وأُعْجِبوا بها، فلمَّا أُعْجِبوا بها أرادوا أن يجمعوا بين أصولهم الإسلامية وبين الفلسفة اليونانية الإلحادية، فحدث الخَلْط بينهما، ونَتَج ما سُمِّي بـ"علم الكلام"، الذي أصوله فلسفية، ومُزَيَّن ومُزَرْكَش بما يوافقه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وما الذي أنتجه علم الكلام هذا؟
كان أحد أسباب تأخُّر العالم الإسلامي؛ لأنه شغلهم في مناقشات لا مساس لها بالواقع والحياة العملية، فأصبح علماء الكلام كما قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا للفلاسفة كسروا، ولا للإسلام نصروا) (2) .
فانتبهوا إلى العبارة!! لأن الفلاسفة تسلطوا عليهم لَمَّا وافقوهم على بعض أصولهم.
كذلك أيضًا التوجهات العصرية في هذه الأيام؛ فلو أنها - واللهِ- كَسَرَتِ الغربَ وأَحْرَجَتْه، واستطاعت أن تنتج لنا - فعلًا - توجهاتٍ فيها الاستقلال، ولو أنه فيه ما فيه؛ لقلنا واللهِ: نعم .. هذه جهود لها ثمرتها ونحترمها؛ لكنها طُرُوحات أَطْمَعت فينا الغرب مرةً ثانيةً؛ وأيما دولة إسلامية أو عالِم أو مفكر إسلامي قدِّم تنازلاته بهذه الطريقة إلا وجعل أعداءَ الله سبحانه وتعالى يطمعون فيه وفي دينه؛ ليقوم بتنازلات أكثر فأكثر.
الطَّرْحُ المُعاصِر"اسْتِسْلام المَغْلُوب"!!
ومِنْ هنا فإنَّ هذا الطَّرْح - الذي نسميه نحن بالطرح المعاصر - خطورَتُه تأتي مِنْ أَنَّه ينظر إلى القضية من خلال تنازلاتٍ يجب أَنْ يُقَدِّمها لعدوٍ غَالبٍ ظالِم مُسَيْطِر، أي: أَنَّه استسلام المغلوب؛ هذا الوضع سيجعل هذا الطاغي الظالم يطالب بتنازلاتٍ أكثرَ فأكثرَ؛ مع أنه في دين الله سبحانه وتعالى الأمر واضح تمام الوضوح؛ يقول الله - تبارك وتعالى- فيه ? وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ? [البقرة: 120] .
البلاد العَلْمانية اليوم في كثير من العالم الإسلامي، أليست بعلمانيتها قد لَحِقت برَكْب علمانية الغرب؟!
الجواب: بلى.
وهل الغرب اليوم يحترمها ويُقَدِّرها؟!
الجواب: لا؛ فهو لا يزال يعتبرها شرقيةً، ويطلب منها المزيد من الخضوع، لا يزال يَسْخر منها ويحتقرها، لا يزال يقول بصوت عالٍ: إن الديمقراطية وحقوق الإنسان هي للغرب وليست لهؤلاء؛ إذا كنا قَدَّمْنا لأعدائنا وتنازلنا لهم إلى حد أن نُقَدِّم لهم العلمانية ونفرضها ونحارب دين الله من أجل ذلك، ومع ذلك فالغرب لا يرضاه، وإنما يريد المزيد من التبعية والتبعية حتى يكون الدهس بالأقدام؛ أي: إلغاء الهوية من جميع جوانبها، فكذلك أيضًا نقوله لمن يريد أن يَطْرح طُرُوحات معاصرة؛ فنقول له: إنَّ هذا الطرح في النهاية لن يُرْضِي الغرب، ولن تكون - والحالة هذه - ممن ثبت وبَقِيتَ على منهجك وعلى أصول دينك.
مَوَاقِفُنا تِجاهَ"العَوْلَمَة"
إنَّ مَوْقِفنا من هذه العولمة اليوم ينبغي أن يكون موقفًا مدروسًا، واسمحوا لي في هذه الفقرة الأخيرة أن أطرح جملة من المنطلقات التي يجب أن ننطلق منها في موقفنا من العولمة:
أولا: أن نحدد منذ البداية طبيعة الدين الإسلامي في موقفه من"الجديد":
بمعنى: أننا لا يجوز لنا أن ننظر إلى قضية العلم والإسلام على أنها صراع، فقد وُجِد الصراع نعم في الغرب بين الدين والعلم؛ لأن الدين محرَّف، أما عندنا نحن المسلمين فلا يمكن من أن يوجد صراع، لا يمكن أن يكون في دين الله من كتاب الله والسنة الصحيحة ما يخالف نظرية غربية صحيحة أبدًا، فلا صراع بين الدين والعلم، ولا تَعارُض بين العقل والنقل في المنهج الإسلامي؛ لأن كليهما من الله ?أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأمْرُ? [الأعراف: 54] .
فالحضارةُ المعاصرة هل هي التي اخترعت؟!
بالطبع لا؛ فهي تعمل في مخلوقات الله عز وجل، واللهُ هو الذي جعل في هذه المواد القابليةَ للتصنيع وليس الغربُ، ولهذا فَإِنَّ غاية الغرب أَنَّه يكتشف، حتى الإنسان خلقه اللهُ، غاية ما عنده من العلم أَنَّه يكتشف طبيًّا خليةً كان جاهلًا بها آلاف السنين، لكنَّ الخلقَ خَلْقُ اللهِ.
وكذلك كتابُ الله وسنةُ النبي صلى الله عليه وسلم التي هي وحيٌ، فهما عندنا يجب ألا نوجِد الصراع بينهما؛ لأنه لا يوجد في المنهج الإسلامي.
فهذا المنطَلق من هذه القضية مهم جدًّا؛ حتى نعلم كيف يتميز الإسلام عن غيره في نظرته للحياة؟
الإسلام دين الله الحقُّ، فالقضيةُ فيه منفصلة، فهو ليس دين يقول لك: اجلس في المسجد إذا أردت العبادة وانتهى الأمر؛ فهو ليس دين رهبنة، ولا صوفية ولا غيرها من المناهج التي تريد أن تعزل الإنسان عن الحياة، بل بالعكس، فديننا دين علم يبني حضارة، والتاريخ خير شاهد على ذلك.
ثانيا: أن نواجه عولمة الغرب بالعودة إلى الذات:
العودة إلى ما عندنا من أصول ؛ إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما يَنْبَثِق عنهما من عقيدة وشريعة.
وقد يقول قائل: وهل هذه العودة ممكنة مع هذه العولمة الطاغية؟!
فأقول: هناك دول أخرى كافرة مثل اليابان؛ دولة وثنية ومتطورة صناعيًّا، وبالفعل واجهت العولمة كغيرها، أتدرون كيف واجهتها؟!
واجهتها بأن عادت إلى أصولها وجذورها وهي كافرة؛ حتى لُغَتها، ويخبرني أحد الأطباء ويقول لي:"جاء فريق طبي ياباني ليُجري عملية في مستشفى الملك فهد في الرياض، وجلسنا نحن معه في أثناء العملية، وأشدُّ ما أَحْرَجَنا أنه في أثناء العملية لا يعرف اللغة الإنجليزية؛ حتى المِقص والقطن كنا نحاول أن نُفْهِمه إياها بالإنجليزية، فكان لا يعرفها".
فسبحان الله!! فلاحظ كيف يعتزُّ بلُغَته، وكيف يبني حضارة من خلال لُغَته.
ويقول لي هذا الأستاذ:"واللهِ في الجامعة في اليابان كنتُ قد بحثتُ عن كتاب بالإنجليزية لأقرأ فيه وما وجدتُ؛ بل كلها مترجمة إلى اللغة اليابانية".
فأقول: سبحان الله!! دولة وثنية تواجه العولمة وتعود إلى أصولها وتؤصل. فأين نحن منها؟!
ونحن المسلمون لدينا دين وعقيدة وشريعة، بل بعض دول أوروبا مثل فرنسا وألمانيا ترفض عولمة أمريكا، وترفض عولمة اللغة الإنجليزية وحضارة أمريكا؛ لأنها لها أصولها وتراثها ولغتها، فإذا كانت هذه الدول نفسها تعود إلى أصولها وجذورها مواجِهةً لهذه العولمة، فما بالُنا نحن المسلمين؟!
إنَّ المنطلق الثاني الأساسي حقيقةً بالنسبة لنا نحن المسلمين في مواجهة هذه العولمة هو فعلًا أنْ نسارِع إلى أن نواجه عولمة الغرب بالتأصيل، والعودة إلى أصولنا وجذورنا وإلى ديننا، وليس بالانسياح أمام ثقافة هؤلاء الأعداء وفكرهم وعقائدهم.