2-وعندما كان المسلمون يمثلون القمة في الفعل الحضاري والتفوق العسكري ، كان لزامًا أن ينتقل التأثير إلى مراكز الضعف الثقافي في مختلف البلاد التي احتكت بالعالم الإسلامي ، وكان الغرب أحد هذه المراكز ، فحدث أن حصل بعد الحروب الصليبية ، رد فعل قوي في الغرب من جراء الاصطدام بالحضارة الإسلامية ومنجزاتها سواءًا أكان ذلك في الشرق الإسلامي أم في بلاد الأندلس التي كانت تعيش في الناحية الأخرى أزهى عصورها حضاريًا.. ولهذا حدث ما يسمى بالاستيقاظ والانتباه الغربي ، قبل ما يسمى «بعصر النهضة» الأوربية. وبدأت تسير بعد ذلك عملية البناء الثقافي في الغرب في اتجاهين: الأول: ببعث التراث الثقافي اليوناني والروماني بشكل مكثف ، حتى يكون الركيزة الأساسية للنهضة، والثاني: كان لابد من صد هذا الفكر الغازي وجعله غريبًا بين الناس، إما بتجاهله، أو بإيجاد المراجع العلمية التي تستطيع تفسير هذا الفكر (الغريب) وتصويره للناس بما لا يتعارض مع المقومات الأساسية التي سار بها الإتجاة الأول. أما كيف يتم تجاهل حدثًا ثقافيًا بارزًا، وفعلًا حضاريًا يطرق الباب ، فتحدثنا عنه المستشرقة «زيغريد هونكة» بقولها: «أما أن تكون ثمة شعوبًا أخرى ، وأطراف من الأرض لها شأن عظيم في التاريخ ، بل وفي تاريخنا الغربي خاصة ، فذلك أمرٌ لم يعد بالإمكان تجاهله في حاضر قد طاول النجوم عظمة. لأجل ذلك ، يخيل إلي أن الوقت قد حان للتحدث عن شعب قد أثر بقوة على مجرى الاحداث العالمية ، ويدين له الغرب ، كما تدين له الإنسانية كافة بالشيء الكثير. وعلى الرغم من ذلك فإن من يتصفح مئة كتاب تاريخي ، لا يجد اسمًا لذلك الشعب في ثمانية وتسعين منها. وحتى هذا اليوم ، فإن تاريخ العالم ، بل وتاريخ الآداب والفنون والعلوم لا يبدأ بالنسبة إلى الإنسان الغربي وتلميذ المدرسة إلا بمصر القديمة وبابل بدءًا خاطفًا وسريعًا ، ثم يتوسع ويتشعب ببلاد الاغريق ورومة ، مارًا مرورًا عابرًا ببيزنطية ، ومنتقلًا إلى القرون الوسطى المسيحية، لينتهي منها آخر الأمر، بالعصور الحديثة..» (2) .
كان هذا التجاهل جزءًا من الاستراتيجية الغربية في صد الفكر الإسلامي أما إذا اضطر الغرب إلى التعامل مع بلاد الإسلام وخاصة منذ عصر «النهضة» الغربية ، فكان لابد من إيجاد وسيلة أخرى ، وكانت هذه الوسيلة هي ما يسمى اليوم بـ «الاستشراق» . لقد كان للإستشراق مهمة تاريخية واضحة ، وهي تحصين الهوية الثقافية اأوربية عن طريق تكوين المراجع العلمية الغربية التي تستطيع أن تحدث وتناقش بطريقة علمية لا تدع مجالًا للاختراق الثقافي من الخارج. (يمكن الاطلاع على ما كتبه الأستاذ محمود محمد شاكر في بحثه المتميز: «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا» عن تاريخ الاستشراق وأهدافه) . ويؤكد إدوارد سعيد في كتابه الهام «الاستشراق» حقيقة أن الدراسات الاستشراقية لم يكن هدفها في الأساس معرفة الشرق على حقيقته ، ولهذا فهو يقول: «أنا شخصيًا أعتقد أن قيمة الاستشراق على وجه الخصوص ، هي في كونه علامة على السلطة الأوربية الأطلنطية على الشرق، أكثر من كونه بحث حقيقي عن الشرق، (وهذا ما يدعيه شكله الأكاديمي) ... ولذلك فإن الاستشراق هو بعد هام للثقافة الفكرية السياسية الحديثة ، ولهذا فليس له علاقة كبيرة بالشرق، أكثر من علاقته بعالمنا «نحن» .. وبطريقة ثابتة فإن الاستشراق يعتمد في استراتيجيته على التفوق المركزي الذي يضع الغربي في مجموعة من العلاقات المحتملة مع الشرق ، ولكن بدون أن تفقده دائمًا اليد العليا...» (3) .
وأصبح «الاستشراق» من هذا المنطلق يمثل رأس الحربة في توجه سياسات الغرب الاستعمارية منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وحتى الآن حيث لايزال يمارس نفس الدور تقريبًا من خلال مراكز الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية ، ومن خلال مراكز الدراسات الاستراتيجية التي ترسم السياسات الغربية في مجالات متعددة.
3-أما المرحلة الثقافية الثالثة التي تميز العلاقة الحضارية بين الغرب والشرق الإسلامي فتتمثل في مرحلة «التغريب» التي بدأت منذ بداية عصر الاستعمار الحديث للعالم الإسلامي من قبل أوربا ، وبالتحديد من غزو نابليون مصر عام 1798 م. وقد استمر «التغريب» سمة ثقافية بارزة حتى بعد أن اضطر الغرب إلى تقويض خيامه العسكرية والرحيل. أما كيف حدث هذا؟ فيحدثنا الكاتب الفرنسي (ك موريل) بسخرية عن تلك الفترة فترة تصفية الاستعمار: «إذا أرخنا للمعارك فقد أخفق الاستعمار. ويكفي أن نؤرخ للعقليات لنتبين أننا إزاء أعظم نجاح في كل العصور. إن أروع ما حققه الاستعمار هو مهزلة تصفية الاستعمار.. لقد انتقل البيض إلى الكواليس ، لكنهم لايزالون مخرجي العرض المسرحي...» (4) .
ويشير المؤرخ الأمريكي (دافيد فرومكين) عن تلك الحقيقة في كتابه (سلام ما بعد سلام) بقوله: «كان أمرًا مألوفًا في بدايات القرن العشرين ، عندما كان تشرشل وضيوفه يمضون الوقت في رحلتهم على متن اليخت أنشانترس ، أن يفترض المرء أن الشعوب الأوربية ستواصل القيام بدور السيطرة الذي تمارسه في الشؤون العالمية إلى أبعد ما تستطيع البصيرة أن ترى. وكان من الشائع أيضًا الافتراض أن الشعوب الأوربية بعد أن أنجزت معظم ما اعتبره كثيرون رسالة الغرب التاريخية أي تحديد المصير السياسي للشعوب الأخرى على الكرة الأرضية فلا بد أنها متممة هذه الرسالة. وكانت بلدان الشرق الأوسط بارزة بين البلدان التي كان على الأوربيين التعامل معها ، إذ هي بين قلة من المناطق المتبقية على كوكبنا دون أن يعاد تكوين شكلها اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا على صورة أوروبا ومثالها...» (5) . إذن كان التغريب الثقافي والفكري (على صورة أوروبا ومثالها) هدف من أهداف الاستعمار العسكري والسيبريالية على الشرق الإسلامي. وبالفعل تمكنت أوروبا من تحويل اتجاه طلائع «المثقفين العرب» إلى الفكر والفلسفة الأوربية لتبدأ «حركة الترجمة» الثانية ، ولكنها هذه المرة حركة مفروضة من الخارج ترى في أوروبا المثال النموذج ، وترى في التراث الإسلامي التأخر والرجعية ، وأصبحت تنظر للحضارة والثقافة من منظار غربي لا أثر فيه للتميز الحضاري ، بل أن «نسير سيرة الأوربيين ، ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا ولنكون لهم شركاء في الحضارة ، خيرها وشرها ، حلوها ومرها ، وما يحب منها وما يكره ، وما يحمد منها وما يُعاب ، وأن نشعر الأوربي بأننا نرى الأشياء كما يراها ، ونقوم الأشياء كما يقومها ، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها...» (6) .