الحقيقة أن التغريب يجري على دم وساق ، ويواجه العالم الإسلامي وبقية دول ما يسمى (بالعالم الثالث) ، بشكل لم يسبق له مثيل ، خطر تفتيت الهوية الثقافية والاجتماعية. وعلى الرغم من أن مسيرة التغريب قد بدأت منذ وقت طويل ، إلا أنها بدأت تأخذ أشكالًا مختلفة وأكثر خطورة منذ سقوط الشيورعية ، وانفراد القوة الأخرى بالمسرح العالمي. فقد سيطرت المنظومة الليبرالية الرأسمالية على المنظمات الدولية (الأمم المتحدة، صندوق، اليونسكو، منظمات الإغاثة العالمية، وأخيرًا منظمة التجارة العالمية «الجات» ..) وتمكنت عن طريق هذه السيطرة من فرض القوانين الدولية التي تراعي نظامها ومصالحها. كما سيطرت المنظومة الليبرالية الرأسمالية على وسائل الإتصال الحديثة وتمكنت بفضل التقدم التقني الهائل من الوصول بقيمها ومعتقداتها إلى جميع بقاع العالم تقريبًا. (ينطلق فيض «ثقافي» بمعنى فريد من بلدان المركز الغرب ويجتاح الكرة الأرضية) . تتدفق صور ، كلمات ، قيم أخلاقية ، قواعد قانونية ، اصطلاحات سياسية ، معايير كفاءة ، من الوحدات المبدعة إلى بلدان العالم الثالث من خلال وسائل الإعلام (صُحف، إذاعات ، تلفزيونات ، أفلام، كتب،أسطوانات، فيدو) . ويتركز الجانب الأكبر من الإنتاج العالمي «للعلامات» في الشمال، أو يصنع في معامل يسيطر عليها،أو حسب معاييره وموضاته. وسوق المعلومات شبه احتكار لاربع وكالات: أسوشيتيد برسس وينايتد برس (الولايات المتحدة) ، رويتر (بريطانيا العظمى) ، فرانس برس. وتشترك في هذه الوكالات كافة إذاعات العالم ، كافة شبكات تلفزيون العالم ، كافة صحف العالم. ويتدفق 65% من المعلومات العالمية من الولايات المتحدة. ومن 30 إلى 70% من البث التلفزيوني مستورد من المركز.. وهذا الفيض من المعلومات لا يمكنه إلا أن «يشكل» رغبات وحاجات المستهلكين ، أشكال سلوكهم ، عقلياتهم ، مناهج تعليمهم ، أنماط حياتهم» (7) .
ولعل من مظاهر هذه السيطرة تفشي الأنماط الثقافية الاستهلاكية في المجتمعات الإسلامية ، ومنها طغيان النزعة الفردية وحب الذات في التعمل مع الآخرين ، وأيضًا الاستسلام للعامل الدعائي في ترويج المنتجات ، وكذلك إتجاه الأفراد وخاصة الشباب إلى الثقافة السطحية السهلة ، فتجد الشاب لا يستطيع أن يجلس ليقرز كتابًا كاملًا ، بل يريد الكتاب مختصرًا في صفحة أو صفحتين.. وهكذا ، فنحن كما يقولون في (زمن السرعة) ومنها أيضًا تفشي ظاهرة المأكولات السريعة ، نتيجة لانتشار هذه النوعية من المطاعم والمتاجر ، وكل هذا يعكس الانماط الاجتماعية السائدة في بلاد الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.
وربما كان من أخطر مظاهر التغريب في العلاقات الولية أن أصبح الاقتصاد والقوة المالية هي العامل الأساسي في علاقات وتحالفات الدول ، فلا قيم ولا ثقافة ، ولا مبادىء. وهذا يؤكده المفكر والاقتصادي الفرنسي (جاك أتالي) بقوله: «إن البشرية تدخل في مرحلة من الزمن جديدة تمامًاك التاريخ يتسارع ، التكتلات تتفكك ، الديمقراطية تحقق انتصارات جديدة ، ممثلون ورهانات جديدة تبرز على المسرح ، أمام هذه التحولات التي تبدو في ظاهرها مبعثرة لا يربط فيما بينها أي رابط ، يسود لدى المراقبين الحذر من النماذج الموجودة ، ويغلب الاستسلام لمزاج القوى العديدة التي تحرك كوكبنا ، كما يغلب الميل إلى إعطاء السوق دورً حاسمًا في كل شيء بما في ذلك دور الحكم في مصير الثقافات..» (8) .
الاستغراب: هل يكون المحطة الرابعة؟
ولمواجهة هذا المد التغريبي الهائل ، لابد أولًا من إدراك خطورة العلاقات الغير متكافئة بين الفريقين، ثم بإتخاذ استراتيجية تعتمد على محورين أساسيين، أولهما: بعث العقيدة الإسلامية الصحيحة والفكر الإسلامي الأصيل ونشره بين الناس ليكون الركيزة الأساسية للنهضة ، ثم قيام مراجع علمية إسلامية تدرس الغرب ، وتفهم منطلقاته وأهدافه ونظم حياته الثقافية والفكرية، لتكون الحاجز الأول لتحصين الهوية الإسلامية، وهذا ما نسميه بـ «الاستغراب» . (وهذين المحورين شبيهين بالطريقتين اللتين سلكهما الغرب عند مواجهته للحضارة الإسلامية ، وعندما كان في بداية نهضته الحالية. وليس في هذا تقليدًا للغرب، بل هما فيما أحسب سنة من سنن الله في الكون) .
وعلى الرغم من أن الصحوة الإسلامية المعاصرة قد أدركت أهمية الشق الأول من هذه الاستراتيجية ، فبدأت بالاهتمام بالعلم الشرعي ، وتصحيح المعتقدات، ونشر كتب العقيدة والعلوم الإسلامية ، بل لا يزال كثير من المفكرين والمنظرين للصحوة ، لا يدركون خطورة المرحلة الحالية ، ويحتفظون بأفكار سطحية عن الغرب ، وعن علاقاته بالمجتمعات الإسلامية ، وذلك لغياب المراجع التي يتستطيع أن تشكل الرؤية الإسلامية عن الغرب ، بعيدًا عن تنظيرات فلاسفة «التغريب» المعاصرين (ولا تقل عنها سوًا تنظيرات احجاب الفكر الإسلامي المستنير! عن طبيعة العلاقة بين الغرب في ظل ظروف التغريب الشامل) .
إن الاستغراب الذي نشير إليه هنا، ينبغي أن ينطلق من أسس واضحة ليحقق بعض الأهداف الهامة:
1-استثمار نجاح الصحوة الإسلامية في كسر حدة الانبهار بالغرب ، حيث بدأ كثير من الشباب المسلم يعيد تقويمه للتقدم التقني الغربي. وحتى يتم تعميق الاعتداد بالنفس ، والشعور بالانتماء للأمة والتميز الحضاري والفكري ، ينبغي نقض وتعرية مفاهيم الغرب وقيمه التي يبثها في العالم (الديمقراطية ، الحداثة ، الثقافة العالمية.. الخ) ولن يتم هذا النقض إلا بمعرفة أسس هذه المفاهيم وتناقضاتها على مستوى التنظير ، وعلى مستوى التطبيق.
2-عند إيجاد المراجع الإسلامية الذين يمكن أن نطلق عليهم بـ «المشتغربين» سوف يتظاءل تأثير (المتغربين) من أبناء المسلمين ، الذين يرون في الغرب ، النموذج والمثال ، في الفكر والأدب والاقتصاد وقيم العمل ، وقيم السياحة ، والعلاقات الاجتماعية.. الخ ، ولن تحتاج الأمة إلى عناء كبير لكشف شبهاتهم التنظيرية ، إذ أن لديها من يعرف فكر (القوم) ومصالحه ومخططاته.
3-وعندما نتمكن من دراسة الغرب دراسة واعية في سبيل تحصين هوية الأمة ، والحفاظ على مصالحها ، سوف نستطيع دراسة تأثير التطورات التي تحدث في الغرب في جميع المستويات السياسية ، والاقتصادية ، والفكرية ، والاجتماعية ، على ثقافة الأمة وعلى مصالحها ومستقبلها. إن غياب الروية الحقيقية لما يجري في الغرب تجعلنا نعيش في ظروف وأحوال ليست من صنعنا ، ولا نعرف كيف حدثت ، ولماذا ، ومن المستفيد منها؟
إن الاستغراب هو محاولة جادة لدراسة الغرب ، ليس بهدف الترف الثقافي والفكري كما حصل عندما ترجمت الفلسفة اليونانية في القرون الإسلامية الزاهية وإنماا لتحقيق مصالح في غاية الأهمية ومنها في المقام الأول تحصين الهوية الإسلامية في ظل ظروف التغريب الجامح الذي يجري تطبيقه علي أكثر من صعيد.
هوامش:
* تناول مصطلح الاستغراب بالبحث والدراسة د/ حسن حنفي في كتابه المعنون بـ (مقدمة في علم الاستغراب) ، وهذا المقال لا يعتمد على ما طرح في الكتاب المذكور بل هو طرح مستقل كما ترى للموضوع ، وكاتب المقال لا يتفق مع د/ حسن حنفي في كثير من منطلقاته الفكرية سواءً ما هو مقروء منها في كتابه المشار إليه أو في كتبه الأخرى.
(1) بن خلدون ، المقدمة ، دار القلم بيروت 1878 ، ص 147.