فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 719

كل هذه العوامل ساعدت في ذلك الوقت في الثلاثينيات على زيادة قوة التيار التغريبي ليس في مصر فقط، ولكن أيضًا في بعض البلاد الإسلامية. وكان أخبث خطط التغريبيين التي تم تنفيذها عبر الوسائل الإعلامية أن جعلوا أعظم أهداف الشعوب هو الجلاء العسكري للمحتلين فقط، أما غير ذلك من فكر وعادات الغرب التي تخالف عقيدة وهوية الشعوب فقد سربوها للناس على أنها وسائل النهضة والتقدم والرقي كي نلحق بركب الأمم القوية. وظل الحال كذلك حتى الخمسينيات، ولم يعرف خلع الحجاب طريقه إلا عند بعض المثقفين المتغربين ومن قلدهم، وانحصر في نطاق ضيق، ولم يتغير الوضع كثيرًا مع رحيل الاستعمار وتغير الأنظمة الحاكمة؛ ذلك أن الوطنيين الذين ملكوا زمام الحكم شربت عقولهم كل الأفكار الغربية. ولكن مع ذلك التفوق التغريبي ظهر تواجد قوي تمثل في الإخوان المسلمين وبعض الجمعيات الإسلامية؛ ولكن فترة الخمسينيات في مصر تميزت بصدام الدولة مع الإسلاميين، وأيضًا فترة السيتينات، وتزامن ذلك مع امتداد المد الشيوعي إلى مصر، فظهر تفوق للسفور، وانتشر خلع الحجاب خاصة في المدن، وظهرت تقليعة الميني جيب والميكرو جيب، وكان ذلك لنجاح الفكر الغربي في بناء قاعدة قوية موالية في التعليم والصحافة والفن استطاعت مع ظهور التلفزيون وانتشاره أن تظهر تفوق التيار التغريبي في معركة الحجاب مع خلو الساحة من النشطاء من التيار الإسلامي والمحافظ، وضعف المؤسسة الدينية الأزهرية نتيجة كبت الحريات والاعتقالات، واضطهاد التيار الإسلامي في ذلك الوقت، ولعل في ذلك تأويلًا لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «صنفان من أمتي لم أرهما قط: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها ظهور الناس، ونساء كاسيات عاريات..» ، وقد فسر الحديث انه مع اشتداد طغيان السلطة الحاكمة في بلاد المسلمين يقترن بذلك ظهور النساء كاسيات عاريات، ويؤكد ذلك التفسير الحكم الأتاتوركي في تركيا، والحكم البهلوي في إيران، وبورقيبة في تونس الذي فرض خلع الحجاب على النساء في تونس. إلا أن هزيمة 1967م كانت صدمة أعادت الناس إلى الإسلام، ووضح ذلك في بداية السبعينيات مع حكم الرئيس السادات؛ فمع أنه كان مولعًا بالغرب إلا أن حسابات الواقع فرضت عليه الانفتاح مع الإسلاميين وإخراجهم من السجون والمعتقلات، فعاد التيار الإسلامي إلى التواجد بقوة، وازدادت معركة الحجاب سخونة في مصر، وظهر لأول مرة النقاب في جامعة القاهرة، وظهرت معارض بيع الحجاب في الجامعات المصرية بأسعار زهيدة، وانبرى الدعاة غير الرسميين يحملون اللواء في معركة الحجاب عن طريق المنابر وأشرطة الكاسيت، ولم يسكت التيار التغريبي الذي ازدادت قوته بانفتاح الدولة على الغرب سياسيًا واقتصاديًا وفي شتى المجالات، وتبوأت الريادة في الفريق التغريبي الصحفية أمينة سعيد، وما لبثت أن دخلت زوجة الرئيس السادات معركة الحجاب؛ ففي حديث لمجلة فرنسية سئلت عن انتشار عادة الحجاب في مصر ورأيها في ذلك، فأجابت: (إنني ضد الحجاب؛ لأن البنات المحجبات يخفن الأطفال بنظرهن الشاذ، وقد قررت بصفتي مدرِّسة في الجامعة أن أطرد أي فتاة محجبة من محاضرتي..».

وقد بلغ قلق التغريبيين من الحجاب مداه بعدما تعدت الدعوة إلى الحجاب والالتزام به التيار الإسلامي إلى التيار المحافظ وإلى عامة الشعب، وتميزت فترة السبعينيات والثمانينيات بظهور التيار السلفي بقوة بجانب الإخوان المسلمين في معركة الحجاب لمواجهة المخالفين بالأدلة الشرعية الواضحة في حكم فريضة الحجاب مما أعطى التيار الإسلامي قوة في المعركة، واندفع كل فريق في المعركة مستخدمًا أسلحته: التيار التغريبي استخدم الصحف والمجلات والإذاعة، وكان لظهور التلفزيون مع بداية السبعينيات في الريف والوجه البحري والقبلي أثره البالغ في التبرج وخلع الحجاب فضلًا عن السينما والمسرح. ومن جانب آخر استخدم التيار الإسلامي منابر المساجد والجامعات ومعارض الكتب لبيع الحجاب وأشرطة الكاسيت، وكانت قوته في الالتفاف الشعبي حوله، بينما كانت قوة التيار التغريبي في طبقة النخبة من بعض المثقفين المتعلقين بالتغريب والفنانين والإعلاميين المتغربين، واستطاع التيار التغريبي أن يؤلب النظام ضد الإسلاميين مستغلًا عدة أحداث؛ فاصطدم النظام بالإسلاميين، وكانت أحداث سبتمبر واعتقال معظم الدعاة أصحاب الدور الرائد في معركة الحجاب.. وكان رد الإسلاميين عنيفًا، فقتل السادات، وقال خالد الإسلامبولي قاتل السادات في أسباب قتله إنه ـ أي السادات ـ استهزأ بالحجاب، وقال عن الحجاب إنه خيمة في إحدى خطبه، واصطدمت الدولة بالتيار الإسلامي، وانحسر المد الإسلامي فترة مؤقتة، ثم عاد الوضع في منتصف الثمانينيات كما كان عليه من صراع ونزال بين الإسلاميين والتغريبيين في معركة الحجاب، ولكن في تلك الفترة وقعت مفاجأة مذهلة حيث انضم لمسيرة الحجاب طائفة جديدة أحدث اهتداؤها للطريق الصحيح نكسة وزلزلة لدى التغريبيين وهن الفنانات المعتزلات التمثيل المعلنات عن ارتدائهن الحجاب، ولم يفق التيار التغريبي من تلك الصدمة حتى الآن، ولكنه اجتمع يوجه سهامه ضد تلك الفنانات بكل الطرق والأساليب، ولكن معركته معهن كانت خاسرة؛ حيث ازدادت أعدادهن، ومن ثم لجأ أعداء الحجاب إلى التشكيك، وأدخلوا سلاحًا جديدًا في المعركة ضد الحجاب وهو الأفلام والمسلسلات، واستطاع أعداء الحجاب أن يستغلوا الصراع بين الدولة والتيار الراديكالي في أحداث العنف التي وقعت في بداية التسعينيات في الحصول على قرار بمنع دخول المنقبات الجامعات المصرية، ودارت معارك قانونية استطاع فيها التيار الإسلامي أن يفوز بأحكام قانونية لصالح الحجاب، ولكن أعداء الحجاب نجحوا في التضييق على لبس الحجاب في المدارس.

ولكن: هل وقفت الحرب ضد الحجاب بعد مرور أكثر من مائة عام؟ المؤكد أنها لم تقف وإن كانت انتشرت في أماكن كثيرة في العالم الإسلامي بصور شتى؛ ففي تركيا أرض الخلافة الإسلامية العثمانية سابقًا كانت هناك معركة من الدولة ضد الحجاب في الجامعات، بل وضد نائبة في البرلمان بسبب ارتدائها الحجاب، وفي تونس حرب متنوعة ضد الحجاب والمرأة المسلمة بأشكال متنوعة وسافرة.

الحرب ما زالت مستمرة لم تقف، ولعل ما قدمناه في هذه الدراسة الموجزة عن المعركة والحرب ضد الحجاب في مصر وغيرها من بلاد المسلمين يعطينا الرؤية للقرار الفرنسي بمنع الحجاب، فهو يمثل انعكاسًا للمعركة، وحالة الاختلاف حول الحجاب في بلاد المسلمين الذي يعد فرضًا شرعيًا على كل مسلمة وليس رمزًا أو مظهرًا تستطيع المسلمة التنازل عنه، ولكن نظرًا لحالة الضعف والتفلت من الأحكام الشرعية عند المسلمين وتساهل المسلمات في شأن الحجاب كان صدى ذلك القرار الفرنسي الذي لم يجد حول الحجاب قوة تحفظ له مكانته في بلاد المسلمين، وازداد الأمر سوءًا بتساهل بعض المرجعيات الإسلامية في الأمر «شيخ الازهر» وتقديم التبريرات والمسوغات للحكومة الفرنسية في منع الحجاب؛ مع أن القرار يتعارض مع علمانية فرنسا وحقوق الإنسان، ولكن لما هان الأمر عند المسلمين كان اهون عند غيرهم من غير المسلمين.

ولعلهم يتساءلون في حيرة: لماذا تلك الضجة إذا كان المسلمون لا يتمسكون هم بالحجاب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت